naanoo
03-27-2008, 04:38 PM
:3rbe_com_069:
كانت العروس جالسة على ( الأسكي ) العالي المزين بالسجاد والورود والأنوار ولوحات كبيرة مضيئة مكتوبة
بخط جميل : ( الله ) ... ( محمد ) ... ,( ماشا الله ) ... عين الحسود تبلى بالعمى ) ...
وغير بعيد عن الأسكي كان ينتصب بكبرياء ( سَبَت ) العروس مغطى بقماش الشيفون الزهري الذي
يخفي تحته طبقات من الملبس والسكاكر والشوكولاته على شكل ليرات ذهبية , ولعب من السكر الملون وآلات موسيقية من السكر ... ينتظر بصمت وصول العريس ليفتحه ويشعل أنواره ويطعم العروس ملبسة ثم يقذفان معا حبات الملبس والسكاكر على المدعوات لتصاب بالعدوى كل من لم تتزوج بعد .
وجلست مبهورة الأنفاس أمي تسلم على جاراتها في المقاعد الخلفية وتتبادل التحيات والسؤال عن الصحةوالأحوال عن بعد مع قريباتنا , كما تتبادل مع جارة ظريفة خفيفة الدم حول جمال العروس ( وغندرتها ) وتطلقان النكات المرحة , مع هذه المجموعة وتلك ... وترن الالضحكات النسائية العذبة الرقيقة مع رنين الأساورالذهبية الناعمة في أجواء الديار العربية المفتوحة على السماء الصافية ذات النجوم الفضية , وتعشعش هذه الضحكات في اشجار الليمون والنارنج والكباد والليلك وعائش الياسمين ودوالي العنب .
وسيدة تطلب كاس ماء بارد
وثانية تنادي من شباك ( الفرنكة ) في الفوقاني من البيت ... على من لها طفل ملفوف ( بقنداقة ) حريرية مطرزة بالأزرق لتصعد وترضع ابنها لأنه يكاد يغشى عليه من البكاء وقد يوقظ بقية الأطفال
وثالثة تصرخ بحدة في وجه جارتها الأمامية لأنها عادت بكرسيها الخيزران إلى الخلف فجأة فداست رجل الكرسي طرف تفصيلتها السواريه ( التول ) فمزقتها ... والعروس تجفف بطرف منديلها الأزرق المطرز العرق عن وجهها من شدة وهج اللمبات الكهربائية واللوكسات حتى لايسيل العرق وينزع غندرتها ....
وأم العريس تستقبل مع بناتها ( طفات جديدة ) عند الدهليز بالأهلا وسهلا وعجوز لها وجه منور تراقب الصبايا بسرور وهن يتفتلن بأرض الديار وحول البحرة بسعادة وتتمتم بإبتهالات متواصلة ترافق حركات أصابعها ... وهي تدفه حبات مسبحتها البيضاء الناعمة بيدها النظيفة حبة وراء حبة ... وأطراف سطوح البيت المطلة على الديار تنبىء رغم العتمة بوجوه الجارات غير المدعوات وقد أختفت خلف الأغطية البيضاء على الرؤوس ... وأنا شاخصة بعينين ثابتتين في وجه العروس أجمل إنسانة في الدنيا كلها .
إذن هذه هي العروس ... !!
ياإلهي كم هي فاتنة وكم هي باهرة !!
فكم قالت لي أمي : ياعروس عندما كنت أقضي لها ( غرضا ) ... وألبي طلبها بسرعة !! وكم كافأت أخي الصغير بكلمة ( الله يرضى عليك ياعريس ) عندما كان يملأ لها ( حق الماء ) من ( فيجة ) الحارة ...
إذن فالعريس والعروس هما ذروة المجد الأنساني ... وآخر الطريق الطويل ... والمثل الأعلى عند الناس الذين تزوجوا والذين لم يتزوجوا بعد .
العروس حلم البنات الصغيرات والعريس حلم الصبيان الصغار ويكبر الجميع ويتحقق الحلم ...
فالعروس وبإحساسي الطفولي مخلوقة فذة خارقة للطبيعة ... ملاك بأجنحة لاتطير ... ليست كالناس جميعا ... شيء أعلى هي مركز العالم ونقطة النهاية ... طير أبيض جميل وسط مجموعة من الغربان السود !!
العرس في قلبي وعيني هو ( العروس ) فقط وكل ماعداها في الظل .
ربما كنت أراها باهرة لشدة ما يلتمع على رأسها وفي صدرها وعنقها واذنيها ويديها من قطع الماس
الحقيقي القديم , ومايزينها من ورود وقرنفل وياسمين .
وكنت رغم صغر سني أحس بالحقيقة الخفية وأحلل الأمور ويتلاشى انبهاري للحظة أو لحظات ثم أعود
مبهورة . الماس ليس لها ... عـــيرة !!
نعم ياعروس ... كنت اقولها لها بقلبي , انا أعرف من ستي وأمي أن أكثر العرايس يستعرن الماس من العائلات الدمشقية التي تملك قطع الماس القديمة النادرة ثم يعاد إلى اصحابه بعد أنتهاء المناسبة ... وكانت العروس تقرأ مافي نفسي فتعدل ( الموطيف ) الماسي في صدرها ... وتذكرت ام حسني السيدة الطيبة التي تسكن حي الميدان عند آخر الخط ... وشرد ذهني عند آخر محطة يقف فيها الترين بعد رحلة طويلة ممتعة من المرجة حتى ميدان فوقاني ... واركب مع ستي ام امي في الترين بسعادة بالغة جالسة حتما إلى جانب النافذة أتفرج على باب الجابية والسنانية .. وجنازة متجهة إلى الباب الصغير وشواهد القبور الرخامية ترتفع فوق دك التربة إلى يسار الترين ... ثم يقف الترين عند جامع الشيخ حسن و ويستمر في رحلته عبر حي الميدان إلى السويقة فالنحاسين حيث حواصل الخشب والرخام ودكاكين معلمين الصدف والموزاييك ... وجهاز عروس يحمله ( العتالة ) على كراجة :
كراسي وكنبايات صدف وخزانة صدف ببابين وبيرو صدف وطرابيزات وقشوة ومرآة ( وقبقاب العروس ) وكلها من الصدف ...
ويقف الترين عند باب مصلى والولي عسقلان ومحمصة القضامة والبزر والمسلخ , ثم يسير بنا الترين مارا بالمجتهد سيدي صهيب حمام فتحي بوايك القمح , القرشي الجزماتية آخر الخط ... فأنط أنا من على المقعد الخشبي وأصرخ بصوت عالي :
هاوس ... هاوس ... عمو ... مع أنه ( سيهاوس ) بصورة طبيعية فنحن عند آخر الخط ...
وننزل ويحول سائق الترين ( السنكة ) وتشتعل شرارة كهربائية فأرتعب , ويزمر الكمسري ( بزميرته )
ويعود الترين إلى المرجة ... إنه رجل عظيم قائد الترين قادر على قيادة الترين من الطرفين !!!
لكن الحمد لله اللي ماطلع المفتش لأنو ستي ماقطعتلي ورقة ... !!!
وأسير وانا أنظر إلى الخلف ... وستي تسحبني وانا مشدودة إلى الترين وإلى نغمات جرس الترين اللطيفة يعزفها قائده برجله بضربات خفيفة محببة ينبه بها الناس إلى ان ( الترام ) قادم ... وتشدني ستي الله يرحمها :
- أمشي لك تيتي أمشي وصلنا هادا بيت خالتك أم حسني مابقى غير فشختين ... !!
أنظر إلى وجه العروس وأتذكر وجه أم حسني العجوز الطيبة التي تملك مجمعا من الماس الحقيقي يأخذ العقول وهي تعيره بكامله لكل من تطلبه ( عيرة ) ... لأبنتها في ليلة عرسها , وكانت أم حسني تدعى إلى العرس فتسلم القطع إلى أهل العروس ثم تستلمها عند الفجر عند نهاية العرس وتعود إلى بيتها وكان مجمع أم حسني على ما أذكر يضم قطعا نادرة تزين الرأس والعنق والصدر والأذنين واليدين والزند والأصابع ... وللقطع اسماء حلوة كاشكالها :
زنابق طيور , مشط للرأس , مية ألماس للصدر , مشط بإحدى عشر نجمة , دالية , بروش الماس , عرق لولو وذهب فلة وشمسية , غزال رقاص وهاج , خاتم زيتونة , إسوارة حية , إبرة والبرة قطعة ثمينة تشك في صدرالثوب أوراقها خضر , حلق طوال , حلق بحرية , حلق بريشة , حلق خرس مدور مثل الفلة , أساور لولو والماس ودهب رفاع .
ولابد ان يقدم العريس لعروسه قطعة مجوهرات ثمينة امام الناس وهي تجلس على الأسكي عدا مايقدمه ابو العريس وام العريس وقريبات العريس , ولابد أنهم قد علموا العروس أن تقول لعريسها عندما تنفرد به في مخدعها :
- لن أكلمك حتى تعطيني حق شعري !!!
وسوف تطالبه بثمن شعرها الطويل الجميل بطريقة مغرية لطيفة كما علموها :
فتاح جزدانك وعطيني حق شعري
وياريش دردر على ضهري
وأنا صبية بأول جهلي
والليل طويل على مهلك ومهلي ...
ولا بد أن يقدم العريس لها حق شعرها بالليرات الذهبية , أما صبحية العرس فقد سمعت أنهم علموها لتقول :
- يسعد صباحك يللي صبحتني انا اليوم
لشلحك البدلة الرسمية ولبسك قميص النوم ...
وأنا رغم صغر سني فقد كنت ( كالخلد ) أعرف كل عادات الكبار والأصول أن يقدم العريس صبحة العرس لعروسه وبأكثر الأحيان :
مناشف ثمينة – فوطة حمام قصب – بقجة تقيلة مطرزة بالصرما – طاسة حمام
- شحاطة - قبقاب - بودرة وحمرة ...
والعروس تقدم لعريسها صبحة العرس : - كجوز جرابات - جزدان - محارم - قطعة جوخ - بيجاما - روب دي شامبر - منطوفلة .
كل هذه الصور الجميلة لم تذهب الخوف من نفسي على هذه العروس الجميلة , فأنا أعرف ان العادة أن يقوم العريس بحركة عنيفة تثبت رجولته وقوته وبأسه حتى تخشاه العروس وتحترمه ومن ليلة الدخلة .
وتتأكد مخاوفي , وتهمس مدعوة بإذن جارتها كلاما يدق له قلبي , فقد سمعته بحرفيته :
- مسكينة ... هلأ أول مابيجي العريس وبيطلع لمخدع النوم , وأول ماتحكم عيونو على عيونها
بدو يلطشها - كف حتى تاخدلو ( روزة ) ويكون فايز عليها !!!
- والله مابتعرفي ... إذا إجا وطلع عالأسكي وسبقتو ودعستلو على رجلو قبل مايدعسلها على
رجلها بتكون سبقتو من أول ليلة .
- تقبريني ... العروس عاقلة وصغيرة وماراح بيطلع بإيدها ... والعريس عسر ويمكن يضبعها من
ليلة الدخلة .
- لاتخافي ... أمها شاطرة وبتكون علمتها كل شي ... إي والله والله أنا عزموني على ( حمام الليل )
- وعلى ليلة ( النقش والحنة ) وعلمناها شوتقول للعريس أنا وبنات خالتها ... وبنات أحما
أختها درية .
- وراح تطلع قدو وقدود ...
- يوه ... شوعلمتوها ؟ بالله تحكولي لبين مايجي العريس , ويو الأريشة ليش ماعزموني عالحمًام ؟
- وإحكيلي إنشا الله أنبسطوا بالحمًام ؟
- يي شو أنبسطنا ... والله كنا منشتهيكي ... والله أهلها عملولها حمام مدلل ... هادا ياستي قبل
الحمام عزموني على ليلة الحنة وأتحنوا العروس والصبايا قدامي ...
- دخلك ... والله أنا مابعرف شلون بتصير الحنة ... أنا وقت عرسي ماتحنيت
- بعرف تقبريني هي عادة قديمة وما عدا أتحنا إلا القليل القليل ... إي والله أنا قبل عرسي بليلتين
أتحنيت حنة شي ظريف كتير , وبتذكر ستي أم أمي شلون قعدت تناقشني وتعلمني شو قول للعريس إذا
سألني شي سؤال .
- قبل كلشي جابت ستي شمعة عسلية ولبانة وسيختهن سوا على نار المنقل وصارت تغط القشة
بالشمعة العسلية واللبانة وترسم على إيدي وزنودي ورد ومثلثات ودويرات وحجب و3 تفاحات
والغزال الملتفت
- وتعلمني على كل رسمة شو قول للعريس إذا سالني :
- شو أسمو هادا ؟
- وبتذكر علمتني على نقش الزنود هالكلمة :
- نقشك شمياه وعليه الميله
- يافرحة عريسك مبارح والليلة
- وقعنا بالحب تلاتنا أنا وأختي وجارتنا
- عانقني لعانقك ... وإن ماعانقتني بخانقك
- عرق زداب وقلبي عليك داب
- مخدة أبن العم
- عبيد عبيد كلم سيدك خوابي النيل بتريدك
- قاعد قبالي وقاعة مقابيلو وياشبه الأموي إذا شعلت قناديلو وطول الليل بيغنيلي وبغنيلو
- إيه ... الله يرحمها وبرحم ( الطراب ) يللي ضمها .
-
بعدين ياستي جابت ستي الحنة الحمرا وجبلتها بالمي الباردة وعجنتها وصارت تدهنلي إيدي
وصارت تلف الأصابيع أصبعة إي وأصبعة لأ بشرطوطة ولفت الباهم وحدو .
وتاني يوم الصبح قامتلي الحنة وقلعتلي الشمعة وغسلت إيدي وبعدين إجت ودهنتلي أضافيري وإيدي
( بالغشوش والزرنيخ والدبس ) ولفتلي إيدي بورق التين شي ربع ساعة بدك تقولي ,
قالحتى يصير النقش أسود غامق ويبين بياض الأيدين والزنود , والله كان شي حلو وبياخد العقل .
سقى الله ذكرتيني بليلة عرسي كنا غفل وبتذكر شلون علمتني أمي قول للعريس أول كلمة ليلة
العرس وشو تعذبت حتى حفظتها :
قشر السمك ألتزم
أصل لزومب معك
طقت قلوب الأعادي
لما نظروني معك
تفنى عضامي ولاتفنى المحبة معك
وبتذكر علمتني قول لعريسي :
يدوب جسمي كل ما تجو على بالي
كما يدوب الحصى بروس الجبال
أسالو ا المبتلي ولا تسالو ا الخالي
أسالو ا الثريا والسبع نجمات
يانجمة الصبح تنبيكن على حالي ...
- إي ماحكيتيلي عن الحمام ؟:3rbe_com_033:
- جاييتك بالحكي تقبريني ... هادا ياستي أهل العروس أخدوا الحمام من بابوا وعزموا الأهل
والمحبين واللازم اللازم .
أنا بعرسي أخدنا جرنين تلاته حماية وحطينا على باب المقصورة فوطة من خوفنا على حالنا من عيون الناس , ووقتها ساوينا كبة نية أخدنا اللحمة المدقوقه وكل أواتيل الكبة بصلتها وفلفلها وملحها والبرغل والسلطة وكلو حضرناه بالحمام وأبي بعتلنا سطل عرقسوس وعشر بطيخات حطيناهن ببحرة الحمام بالبراني بالمي الباردة ... والله والله صرنا نغني ونرقص وندق على ضهر الطاسة .
وأنا لأني العروس قعدت على جرن الأسطه ... بتعرفي أنو جرن الأسطه مابيقعد عليه غير زبوناتها , والله غسلتلي راسي الأسطة ودللتنا معلمة الحمام دلال ودلال ومافي غير هالبلانة عم تزق مي باردة لأنوا غيامنا ماكان في زنبوعة مي باردة فوق الجرن مافي إلا زنبوعة مي سخنة , وبتعرفي كنا أهلية بمحلية وأنبسطنا بسط وبسيط .
وبعد الدخلة رحنا مع أهل بيت العريس على حمام الغمرة وبتذكر كان الوفا والصابون والأكل على بيت أهل العريس , يي سقى الله شو زلغطولي بها الحمام زلاغيط وزلاغيط :
أوها أم العريس الله يعطيكي
أوها والسعادة بتواتيكي
أوها وعقبال فرحتك بالكمالة
أوها ومنجي ومنكافيكي
لي لي لي ليش
* * *
أوها أم العريس أنا جوعانة
أوها وبدي صفيحة مقمرة
أوها وإنشا الله بتضلي سالمة
أوها وديارك معمرة
لي لي لي ليش ...
- دخلك ؟ وإن شا الله كان حمام عروستنا ظريف ؟
- يي ... إي والله ... دق عود ورقص وصوات حلوة وضيافة راتبة صفيحة وفواكي وليمونادة وها الصبايا عم تتفتل بالحمام بالفوط القصب وأنفردت مناشف شي جخ كتير وبعد الحمام أنصفت الصبايا عالمصاطب ولبسو لبس حلو كتير وكانت العروس بيناتهن عم تضوي وعملولها تفتيلة حوالين البحرة وما خلوا حدا يدفع أبدا , حرام والله الجماعة تكلفوا
. إي ... تسلملي العروس حلوة قمر مصور وصغيرة بيلبقلها الله يبيض بختها .
دخلك ؟ إن شاء الله مانسيوا يعطوها خميرة عجينة حتى تلزقها علباب قبل ماتفوت لبيت حماها حتى الله يركن بالها ويبيض سعدها !!!
إي والله أنا ليلة عرسي إجت واحدة من قريباتي .....
( حبيلة ووليدة ) وناولتني الخميرة على ورقة خضرا حتى ألزقها على باب بيت العريس قبل ما أدعس قدم حتى تكون جوازة الدهر وكل ايامي خضرا .
ايامي خضرا . ورشولي ملح من العين ... إي والله والله
قبل مايحاكيني كلمة عريس قبل ماطلعنا على مخدعنا مد ديل بدلتي البيضا الطويل وصلى عليه
ومن يومها والله حياتنا متل السمن والعسل .
- شوفي شوفي ... مدري مين إجا !!! ؟؟؟
وألتفت أنا مع المرأتين لأرى من الذي حضر فقطع الحديث الممتع الجميل وحرمني من تفاصيل كثيرة ...
فوج جديد من المدعوات مع أطفالهن الرضع ومع كل واحدة بقجة ملابس كبيرة ...وصعدن الدرج رأسا إلى الفوقاني وبعضهن دخل إلى قاعات البيت المتخصصة في الطابق الأول لإرتداء الأثواب السواريه الملفوفة في البقج المطرزة بالصرما والقصب .
دخلت المدعوات إلى القاعات بالملايا السود كالأشباح وخرجن منها بعد فترة كالحوريات بالتفصيلات
الملونة والسوارية المقصبة بعروق الذهب أو الفضة والمزينة بالورود والمجوهرات الثمينة وكانت
التفصيلة على جسم صاحبتها البض وقوامها الفارع وبياضها الناصع تسرق أهتمام المدعوات بالعروس وجمالها وثوبها الأبيض .
وطبعا فلإسم الخياطة أهمية بالغة في تلك الأيام فهذه تخيط عند بيت فركوح وتلك لايقبل اسبر دادا تفصيلتها باقل من مئة ليرة ذهب وثالثة لاتخيط إلا عند مدام روز بالقيمرية .
والذي كان يدعو إلى انبهاري أن كل واحدة من الصبايا كانت تغير ليلة العرس أكثر من ثلاث أو أربع
تفصيلات غاية في الذوق والفن ... وتصعد بثوب وتنزل بثوب تختال كالطاووس تلفت الأنظار وتثير كلمات الأعجاب ( إن شا ء الله ما بيعدم ) ... ويو ( يسلملي هالقامة ) وتبعث البهجة
في النفوس التي تحيي زوجها عن بعد ( إن شاء الله بيتهنا ) !!!
أما العرائس الجديدات والتي لم يمض على زواجهن أكثر من سنة فإنهن يرتدين في البدء التفصيلات
السواريه البيضاء ويتشكلن بالورد الأبيض كالعروس تمام وتفتلن في العرس كالملائكة .
وأيقظتني من أحلامي العذبة وعالمي الملون بألوان الثياب الجميلة في ليلة العرس سيدة طيبة هي يد أم
العريس وهي تدفع إلى حضني الصغير بصرة سكاكر وموالح , منديل أبيض فيه بزر وفستق وقضامة وملضمينا ولوز وبندق وملبس وراحة وقرص فستق على سكر , صرة لكل مدعوة حت تتسلى في الليلية التي سوف تمتد حتى الفجر .
ولاحظت أن صدر العروس يعلو ويهبط كثيرا ولم أفهم سر هذه الظاهرة ... حاولت أن اسال أمي ولكنني خفت أن تغضب مني لأنها أشترطت عليي الهدوء التام في العرس وعدم الكلام حتى تأخذني معها مرة ثانية ... مابال العروس ؟ وهل هي خائفة ؟ وهل يمكن أن يخاف الأنسان في هذه السهرة وهذا البيت الذي أراه قطعة من الجنة ؟
وتيبس في مكاني مع أن رغبتي الحقيقية هي أن أثب طائرة لأحط كالطير إلى جانب العروس أو عند قدميها كما تفعل الصغيرات في العرس أمام عيني وانا أتحرق غيرة ... والعروس خجلة لاترفع عينيها إلى المدعوات اللواتي يحدقن بها طيلة الوقت !!!
وكرسي العريس إلى جانبها ينتظر وصول فارسه ...
وقيل أن بيت العريس قد أحضروا لعرس ابنهم جوقة طرب ولم يعرف أحد من ستكون المطربة وقالت لهن أمي ضاحكة :
يمكن بنات مكنو !!!
مع أن بنات مكنو جوقة نسائية قديمة سمعتها أمي في طفولتها , وردت عليها جارة ترد النكتة :
لأ ... يمكن ( رمزية البقة ) يا إما ( بدرية نمًل بدني ) يا أما ( جميلة وأخلع ) وقالت لها أمي وهي تضحك : كل شي إلا نظمية الخنة !! دخلك بتطالع الروح ... دق عودها ظريف ... لكن يا أختي لبين ماتدقلها شئ دقة بتطقق القلب مابتدق حتى تتعشى وحتى تقدميلها باكيت سيكارة ... وإذا حَبَت بإيد خاتم وما بتعطيها ياه بتحرد وبتبطل تدق تقبروني مابحسن عليها ...
وردت ثالثة :
إن شا الله بتجي أم حلمي مع أنها كبرت ... لأني بحب منها لبس الرجالي وغنية ( ياحلالي ويامالي وياربعي تردو عليي ) وغنية ( جربوني بحيك وبغزل ) وإن شا الله مايعدم عليها الشروال والميتان والشال والحطة والعقال والشوارب العيرة ...
وهمست سيدة رابعة :
يو ... لاوالله أنا مابحب صوت أم حلمي إن شاء الله يجيبو ( مكية السمرا ) يا أما ( ناجية كلش ) يا أما ( فهمية قاعاتي ) يا أما ( بدرية النقرا ) وإن شاء الله بجيبو واحدة معها جوق دقاقة عود وقانون وكمنجة ودربكة ودف وفقيشات حتى ننبسط .
أخبار مغرية ... وطار النوم من عيني ... ولكن صبايا العرس لابد ان يرقصن رقصة التفتيلة مع العروس ويدرن بالعروس حول البحرة الرخامية الكبيرة التي يطف منها الماء وينساب من نافورتها بنغم رتيب يوحي بالسعادة .
العروس في الوسط وعدد من الصبايا يفوق العشر يسير خطوة واحدة على نغمة واحدة .
وأنطلقت أغاني التفتيلة ترن في أجواء العرس والعروس بين الصبايا تمشي بخطوات متعثرة خجول لاترفع عينيها عن الأرض ... وتبدأ الأغنية الأولى للتفتيلة بكلمات غامضة تعبر عن الفرح بنغم هادىء :
هيها ... هيها ... هيها ...
وكأن هذه الكلمة تشير إلى العروس التي تمسك بيديها الصبايا قائلات :
هذه هي عروستنا ... أو هاهي العروس ...
وتكرر مجموعة الصبايا وهن يتمايلن يمينا ويسارا في حركة ناعمة واحدة :
هيها ... هيها ... هيها ....
هيها ياست ويابنت ...
كم مية قبض بيك
وتعذبنا لحتى رضي خيك
ويجعلك إن شا الله مبروكة
علينا وتتهني بعمرك
لي لي لي ليييييش
*
هيها ياست ويابنت
قيمي الغطا وأرميه
حرقة ابو اللي حيكو
واللي سعالك فيه
إن كان بيت ابوكي
بسمار إقلعيه وخديه
لي لي لي لييييش
*
هيها قومي أطلعي عالقصر العالي
وبحياة أبوكي هالغالي
حلفت وقالت مابطلع
إلا بجوق المغاني
لي لي لي لييييش
*
وأغنية ثانية لعروس الشام :
أسم الله أسم الله يازينة
ياورد جوة الجنينة
زهر القرنفل ياعروسة
والورد خيم علينا
*
قومي ألعبي بحبل اللولو
وأفردي شعرك على طولو
خليهن يحكو ويقولو
آه ياحلاوة عسلية
*
قومي ألعبي بعرق الألماس
واللولو حارس هالبزاز
الله يجيرك من كلام الناس
آه ياحلاوة شامية
*
قومي ألعبي بقميصك
كل العزبان على كيسك
الله يخللي عريسك
آه ياحلاوة عسلية
*
وتتابع الصبايا رقصة التفتيلة :
عالدلالي الدلالي
هالنقلة نقلة غزالي
لبست شلحة وشلحت شلحة
وتحت الشلحة شي ضوالي
عالدلالي الدلالي هالنقلة نقلة غزالي
لبست لولو وشلحت لولو
وتحت اللولو شو ضوالي
وأغنية ثالثة للعروس :
عالنايمة عالنايمة
لاتجعزوا هالنايمة
عالنايمة ومرحرحة
والخصر زي المروحة
عالنايمة ومحناية
وتعبشي عمرك مهناية
عالنايمة نومك نوم
وياحبية قلبي دوم
ولولا هالصلاة والصوم
لكنت بعبك نايمة
عالنايمة عالنايمة
لاتجعزوا هالنايمة
لابد من التفتيلة في كل عرس , ولابد أن ترقص العروس حتى ( يفتل ) حظها ويرقص طيلة حياتها الزوجية .
وأعيدت العروس إلى الأسكي حيث كرسيها الفخم العالي والدقائق تمر عليها ساعات , أو أن الساعات تمر دقائق لست أدري فالعريس مخلوق غامض جميل ومخيف ومحبوب ومرهوب .
الكرسي الخالي إلى جانبها ينادي صاحبه ... وهي تنتظر بشوق ولهفة ورهبة وصول الأنسان الذي أختاروه لها والذي ستراه الليلة وتكلمه ولأول مرة .
ونسمع من بعيد هرج ومرج وأصوات رجال وإطلاق رصاص في رأس الحارة ... ويظهر أن عراضة العريسقد وصلت من التلبيسة , والشبان يسيرون في الحي حول العريس يرددون في الليل السعيد الذي طار فيه النوم من عيون الجيران
( صلوا على محمد ونير وغضير وعادنا وبيض الله وشو ... وصلوا على محمد
ونير وغضير .... )
وترد النسوة في العرس على الرجال بالزلاغيط عند الدهليز ووراء باب البيت تستقبل العريس أمه وأخواته وعماته وخالاته وقريباته كلهن .
ويجتاز العريس عتبة الباب ثم يمر بالدهليز ويطل على ارض الديار بطوله الفارع وأناقته البالغة وطقمه الأسود وطربوشه الخمري وأبتسامته الخفية تحت شاربيه الكثيفين . وترنفع أيدي المدعوات بالأغطية والمناديل وأطراف الأثواب السواريه لتغطية الرؤوس والصدور والزنود العارية .
وتهمس أم العريس في إذن إبنها العريس :
- تقبرني بلا هالطربوش ... قيمو والله قيمو ... أحلى ماعاد حدا حط طرابيش !!
- لأ ... ماراح قيمو ... شونقام الشرف من راسنا يامو لحتى نشلح الطربوش ؟
- ويمشي خطوتين ...
- وتحدث في العرس مفاجأة !!!
وتنقلب الضحكات إلى دموع سخية تهر على الخدود , وتتحول الزغاريد إلى حوار بين أهل العروس
وأهل العريس .
- ويتوقف قلبي عن الخفقان ... وأقف على كرسي الخيزران لأرى بسهولة ما يجري هناك عند آخر البيت ولأطلع على تفاصيل الخلاف ولأسمع مايدور من حوار بين جهتين :
- العروس بكل جمالها الأخاذ وعظمتها واقفة على الأسكي ترتجف وتنتظر !!
وإلى جانبها تقف أخواتها المتزوجات وعمتها الكبيرة ... فأمها متوفاة ... وعند أول الديار يقف العريس بكل وقاره وصمته تمسك بمرفقيه أمه وأخته الكبيرة تقسمان بالأيمان المغلظة (( بالعظيم بالقسيم )) أن العريس لن يتحرك خطوة واحدة إلى الأمام حتى تأتي العروس إليه ... ومن الجهة الثانية تقسم أخت العروس الكبيرة والدمعة تكاد تخنقها أن أختها لن تنزل من مكانها ولن تتقدم خطوة واحدة حتى يأتي العريس ويسلم عليها !!!
وترتفع الأصوات من هنا وهناك ... لاالعريس يتكلم ولاالعروس تتكلم ولكل منهما محام يتكلم بأسمه بلا تفويض
. ويحتد الحوار ويتأزم الموقف ويرفض كل طرف أن يتنازل عن كلمته ويؤكد تمسكه بموقفه وحتى النهاية ... !!
ويكاد العرس أن يتحول إلى مأتم ...ويكاد الغناء أن يتحول إلى دموع وتكاد الزغاريد أن تتحول إلى شتائم ... وبحكمة الله تقف سيدة مسنة فاضلة ترتدي ثوبا أزرق وتتلفح بغطاء حريري أبيض وبيدها مسبحة وتعلن بهدوء الحل الوسط :
تحضر العروس إلى عريسها حتى منتصف الديار ويتصافحان ثم يأخذها من يدها ويصعدان إلى السكي معا .
ولقي الراي الحكيم صدى طيبا عند الطرفين , ونزلت العروس عن الأسكي وأختها تمسح عن خديها دموعا قاهرة ووصلت إلى نقطة الوسط وصافحت العريس وعاد بها إلى عرشها المتوهج بالأنوار المتلألئة والأزهارالنضرة الفواحة وعلق في عنقها مية ألماس ثمينة وسط تصفيق المدعوات وزغاريد الصبايا ثم شكل على صدر ثوبها البيض قرنفلة حمراء قطفتها له أخته من باقة تزين الأسكي فقطفت إحداهن للعروس زهرة زنبق أبيض فأخذتها العروس وشكلتها في عروة ياقة بدلة العريس وسط رياح التصفيق الحاد العاصف , ثم فتح العريس ستارة ( سَبَت ) الملبس الزهرية الشفافة وأطعم العروس من الملبس وأكل معها ملبسة وبدآ ينثران الملبس على المدعوات وقطع السكر الملونة وليرات الذهب المعبأة بالشوكولاته والآلات الموسيقية التي صنعت من السكر .
وأزداد الضغط حول العروس والعريس وهجمت الصبايا نحو الليوان في مجموعتين على رأس كل مجموعة سيدة تتقن الزغاريد , وكانت المجموعة تبدأ الزغرودة بكلمة ( أوها ) وتقول السيدة الماهرة الوصفة ... وتنهي الصبايا زغرودتها بكلمة ( لي لي لي لييييش ) .
أوها ياعريس لاتعبس
أوها فرود البقجة وألبس
أوها شواربك عرق الريحان
أوها وسوالفها عروق النرجس
لي لي لي ليييييش ...
*
أوها ببيتنا رمانة
أوها حامضة ولفانة
أوها حلفنا مانقطعها
أوها ليدخل عريسنا بالسلامه
لي لي لي لييييش
*
أوها سعيد ياواحد
أوها محمد ياتنين
أوهاواللي مابيصلي عالنبي
أوها يعدم هالعينتين
لي لي لي ليييش ...
أوها عاللعلعي عاللعلعي
أوها وياصبايا تجمعي
أوها ياليل طول طول
اوها وياشمس لاتطلعي
لي لي لييييييش ...
*
أوها حصنتك بياسين
أوها ويازهر البساتين
أوها يامصحف صغير
أوها على روس السلاطين
ولي لي ليششش
*
أوها شوهالنهار اللايق
أوها وفرحتلنا الخلايق
أوها وطقت قلوب الأعادي
أوها لمن حقتى الحقايق
ولي لي لي لييييش
*
أوها ديارنا كبيرة
أوها ودرج الحمام فيها
أوها وأم العريس فرحانة
أوها وربي يهنيها
لي لي لي لييييش
*
أوها ياعريس ريتو مبارك
أوها وياعريس السبع بركات
أوها وإن شا الله لما يجيك الصبي
أوها وبتكمل الفرحات
لي لي لي ليييش
*
أوها جبينك بيلمع
أوها أدانك بتسمع
أوها مامنطلع من هون
أوها لتطعمينا من هالمجمع
*
أوها أرفع راسك وأقشعها
أوها قبل ماتفرد مجمعها
أوها وإن كانلك صاحبة أهجرها
أوها وباب القهوة لاتعبرها
لي لي لي لييش
*
أوها ياجماعة كلكن
أوها ومانسينا فضلكن
أوها واليوم عنا
أوها وإنشا الله بكره عندكن
لي لي لي لييييش
*
أوها ياعريس ياواحد أوها أخوه ياتنين
أوها ياخرزة زرقا
أوها ترد عنها العين
لي لي لي لييييش
ووسط الزلاغيط التي ضجت بها الحارة صعد العروسان درج البيت إلى مخدع النوم وأشتغلت الوتوتة بين النسوان ... وهمست واحدة في إذن جارتها مازحة :
- ياريتني برغشة لأتخبى بشعر العروس وأسمع شو عم يقوللها العريس ... !!
- إي والله ... عروس حلوة ... ان شا الله بيتهنا ... شوفي ... شوفي ... شلون عم يشدوا الجلايل عاشبابيك حتى مانشوف شي !!!
هاها ها ها ...
وبغياب نجمي العرس عن الأنظار صفا الجو للمدعوات وبدأ دوزان العود بعد أن حلفت أم العريس على إحدى المدعوات إلا أن تعزف لهن ليتمتعن بعزفها المنفرد ولترقص ولتغني على عزفها صبايا العرس ريثما تحضرالمغنية وجوقتها , فعزفت لهن رقصة ستي وشدت أخوات العريس أكثر من مدعوة شابة لحلبة الرقص فهذه تتمنع وتلك تتدلل ولكن لابد أن ترقص كل واحدة في نهاية المحاولة ...
وطلب من أم الصوت الحلو في العرس أن تغني لهن يامال الشام وميجانا وعتابا وليالي .. وياطيرة طيرة ياحمامة فأطربت وأنتزعت الآه من الحناجر :
( والكلمات مختلفة عن الأغنية التي نسمعها دائما )
ياطيرة طيري وياحمامة .... وأنزلي بدمر والهامة
هاتي لي من حبي عـلامة ... هالأسمر ابو الخال
يكفى عذابي وشرع الله
أنا على ديني ..جننتيني .... على ديني العشق حرام والله
علي وطيري ياحمامه ... ,انزلي بدمر والهامة
هاتي لي من حبي علامه ... سيجارة وبصة نار
يكفى عذابي وشرع الله
ياطيرة عللي واقليلي .... وأنزلي ببيت محبيني
إيش ماحكو تعي أقليلي ... وأحكيلي عللي صار
يكفى عذابي وشرع الله
ياطيرة طيري ستيتية ... وأنزلي ببيت الأهلية
هاتي لي منهن حنية ... تطفي بقلبي النار
يكفى عذابي وشرع الله
نزلت دموعي على كتفي ... من يوم فراقك ياولفي
قربي عليي وأنحدفي ... ياحلوة يا أم الخال
يكفى عذابي وشرع الله
نزلت دموعي محترقة ... وأنا الهويانة بالسرقة
ياماما ما أصعب الفرقة ... على الفرقة ومالي ضيان
يكفى عذابي وشرع الله
نزلت دموعي وانا باكي .... وأحترت بأمري لمين أحاكي
وأنا لربي شاكي .... من حر الشوق والنار
يكفى عذابي وشرع الله
وأنتهت الأغنية ترافقها وحاولت المدعوة أن تترك العود إلا بألف
يمين وألف عظيم قد الحا عليها من أجل أغنية ياحنينة فغنتها راضية ... وأهتزت ريشة العود وأنطلق
الصوت الحلو :
ياحنينة ويا حنينة وياحنينة ... شو هالزمان اللي أنقلب بعد الهوى
ويارايحة عالدرس وبإيدها المسبحة
وجاية من الدرس هويانة مسوسحة
ودخلك يايامو وشو هالمصلحة
وحبي وعشقي لعينيك أنا
ستي أنا ... وعيني أنا ... وحياتي أنا ...
والله لضمك ضم اللولو بعنقي انا
وياحنينة وياحنينة وياحنينة
وياحنينة يا أمة الإسلام حبيتي فينها
وياجناح الطير هدب عينيها
وياسعد مين شمها وضمها
زاد بعمرو عشرين سنة
وياحنينة وياحنينة وياحنينة
مساكين أهل الهوى شو تيتموا
ومن بعد ماكانوا كواكب عتموا
عطيتهن سر للحبايب ماتكتموا
ياحسرتي مين عاد يكتم سرنا
وياحنينة وياحنينة وياحنينة
شو ها الزمان اللي أنقلب من بعد الهوى !!
ثم ووقفت الصبية المرحة الذكية الحلوة ( أم سامي ) لتعدد بعض الأقوال الغزلية القديمة وترقص رقصتها المشهورة المضحكة التي تقوم على تقليد المدعوات :
( يورم خديجة بلمام ) تبدأ أم سامي الأغنية بصورة طبيعية لاتبعث على الضحك يورم خديجة بلمام ... يورم
خديجة بلمام ... جملة تركية تدل على أن خديجة ضائعة منها وتبحث عتنها وتقترب من كل واحدة في الليلية
وتسألها : شفتيلي خديجة ؟ وترد عليها إحداهن دون أن تدري ماينتظرها وبلهجة طبيعية : لا والله ماشفتها ...
ويأتي دور الثانية والثالثة وتأتي الإجابات مختصرة خوفا من التقليد ...
- لاياعيني ... ماشفتا ...
- لا والله ...
- مبارح شفتا ..
- لا ...
- الله يجمعك فيها ... ماكنتي إنتي وياها أولت مبارح ...
وتقلدها أم سامي ...
الله يجمعك فيها ... ماكنتي إنتي وياها أولت مبارح ...
وتضج السهرة بالضحك ... لا فائدة أم سامي تقلد كل سيدة مهما كانت ذكية ولكل واحدة حركة مضحكة حتما .
ويحلفن على ام سامي إلا أن تغني أغنيتها الظريفة وهي واقفة ترقص وتسال : أنو غنية بدكن ؟ على عيني وراسي !!!
وتتعالى الأصوات :
بدنا غنية ألف ألوف ... ويدق العود ويشتد التصفيق مع مطلع الأغنية الغزلية الغريبةوتبدأ الجوقة :
ألف ألوف والفتا
وأل ب بالمعنى بينتا
وأل ت تنيتا وتلتا
وال ث ثبتا عالغالي
أيام أنقلبت ليالي
*
حرف الألف ألف المحبوب لحضيني
وال ب أنبليت بحبك ياضيا عيني
درت العرب والعجم والترك يازيني
شاهدتهم ماحليلي غيرك بعينية
*
وال ت توتا عالاله صورك يازين
وال ث ثابت بحبي ماينشف دمع العين
دمعن سليتو ودمعن سال عالخدين
راقب إلهك وشوف الذي جرى بية
*
والـ ج جسمي أنضنى من الشوق والهجران
وال ح حلو المباسم سبا لبنات الشام
أنا لصير شبه العنيسي واسرح مع الغزلان
لأجل ريم الفلا راعي الحسينية
*
وال خ خليت عقلي شال من راسي
وال د دوبت جسمي ليش ياقاسي
لو كنت تعلم بالصد والهجران ياناسي
ماكنت دوقت جسمي لوعة الكية
*
وال ر رمحك الرديني قدك الميال
وال ز زعلان ليش ؟ ريت الزعل ماكان
أنا سهران لأجل محبوبي وليلي طال
ونومي شرد ياحلو ماعاد يحضر لعينية
*
وال ش شعرك ليلك آه من ميلك
وال ص صدك صبغ لوني كما ليلك
أظن يابدري ما إجينا على ميلك
بالوعد ياكمون بسقيك بالمية
*
وال ض ضحكك صبغ لوني بدقاتك
وال ط طيب جروحاتي بدياتك
آه ياحلو من بوسة شفيفاتك
ماعاد ينزل بقلبي شربة المية
*
وال ظ ظبي شرد عني ياحلو مين ردو
وال ع عفت الأهل والأوطان لأجلو
حاطط ( سليمي ) شاماتو على خدو
هو ترباية كفي ماهو صيد برية
*
وال غ غضبان يامحبوب صالحنا
وال ف فريد البهاء يامحبوب سامحنا
وأقعد على زادنا وبالله مالحنا
لتصير بيننا عشرة للحشر مطوية
*
وال ق جسمك قد جسمي قد
وال ك كف الجفا ماعدت طيق الصد
أوعدتني ياحلو تجي نهار الحد
كمة مضى حد بحد بحدين .. بمية !!
*
وال ن نوحو على ماصار بحالي
وال ه هادا جزا مين يعشق الغالي
وأنا بحبكم ضاع عقلي وضاع رسمالي
لاشي حصلي ولاشي طلع بإيدي
*
وال و وحياة راسك مابقالي حال
وال ل ألف لاتكلفني الي قيل وقال
إن كنت عاقل أتبع درجة العقًال
لاتعشق شب فتي ليصفي لك النية
*
وال ي ياربي يارحمن ياغافر الزلات
صلى وسلم على من جاء بالآيات
وأغفر ذنوبي لأن الكل مزحيات
من نظم فكري صنفت الألفية
*
ألف ألوف وألفتا
وال ب بالمعنى بينتا
وال ت تنيتا وتلتا
وال ث ثبتا عالغالي
أيام أنقلبت وليالي .....................
ثم وقع الأختيار على صبية سمراء طويلة نحيفة ( مجذبة ) فوقفت تحت إلحاح أم سامي الظريفة المرحة التي أنتهى دورها , لتغني أغنيتها الشامية المشهورة اللطيفةالتي تبعث على الضحك لمايرافقها من حركات مثيرة ناعمة ومضحكة ... ودق العود وبدأت الصبايا بالعد والوصف وراء الصبية السمراء فكل الصبايا كورس جاهز ذكي سريع الحفظ وعاونت الدربكة العود وقالت :
السمراء :
ياقضامة مغبرة وياقضامة ناعمة
شوف عيني شوف
شوف روحي شوف
شوف حركاتي الناعمة
*
جبلي الحمرة بالورقة
قلتلو شفايفي مابتلقى
قللي تعي يارشقة
وحمرني وانا نايمة
*
جبلي الشلحة بالورقة
قلتلو جسمي مابيلقى
وقللي تعا يارشقة
ولبسني وأنا نايمة
*
وفجأة أنقطع جو التصفيق والضحك والرقص والغناء بسبب دقات شديدة على الباب ,,,
وتلبس إلا الماشطة رغم كل فضول العيون على الباب ... ونزلت العروس بثوب سواريه
مخملي اسود اللون يكشف صدره الواسع عن بياض بدنها تزينه وردة سوداء مقصبة , وله شاحط ذيل طويل أنيق وأكمام طويلة مشقوقة شقا طولانيا تنفتح عن بياض زنديها وتثبت عند المعصم بأزرار ناعمة , وسارت نحو كوفجأة أنقطع جو التصفيق والضحك والرقص والغناء بسبب دقات شديدة على الباب لسهرة التلبيسة فترة صغيرة !!
وصعدت عدة نساء لمخدع العريس والعروس ونزل العريس بعد مدة ليرافق الشباب وكأن قوة قاهرة أقتلعته من جذوره .. ودخلت على العروس بعد خروج العريس الماشطة المختصة التي تعتني بثياب العروس وشعرها وزينتها وتكون مسؤولة عن جمالها طيلة ليلة العرس .. ولايجوز لأحد أن يرى العروس وهي تتفرع وتشلح رسيها على الأسكي كالملكة وتقول ست أختيارة :
- حوطتها بألله ...
ومن أجل خاطر العروس وقفت صبيتان سمراء وشقراء تتبادلان الأتهامات معا أمام العروس والمدعوات بمرافقة العود والدربكة عن طريق أغنية لطيفة تمدح فيها كل واحدة منهما نفسها ولونها وتذم الأخرى وتبدآن الأغنية معا بهذا المطلع :
تعي جنبي تعي جنبي
أنا عايزة أشوفك لحظة
وما بتحني شوي ؟؟
*
السمراء :
والسمرة قالت الله وأكبر
كل الزكاوة نزلت عالأسمر
روحي يابيضة ياشوربة العسكر
كل اللي يحبوكي مرجوعن لي
*
الشقرا :
والبيضة قالت وأنا رز بحليب
وكل مابرد كل مالو بيطيب
روحي ياسمرة ياعود القضيب
كل اللي يحبوكي مرجوعن لي ...
السمراء :
والسمرة قالت أنا اصلي عربية
كل ما تلفتت في إلي تحية
روحي يابيضة يا أجنبية
كل الي يحبوكي مرجوعن لي
الشقراء :
والبيضة قالت انا عيوني كبار
مكحلين من الله وشعراتي طوال
روحي ياسمرة ياشعرك شعر الجوار
تلات ساعات مابينبل بالمية
السمراء :
والسمرة قالت أنا لوني بلون البن
وياشراب الأمرا معجونة بالفن
روحي يابيضة يامكنسة الجن
على إيش حبوكي على لونك هالني
السمراء والشقراء معا :
تعي جنبي تعي جنبي
عايز شوفك لحظة ومابتحني شوي !!!
وبنزلة العروس كلنت جوقة المغاني قد وصلت , وغنت المغنية عدة أغاني دمشقية قديمة أذكر منها أغنية
ياسمك يابني :
ياسمك يابني خصمو مجنني
تلعب بالمية لعبك يعجبني
صيادك شاطر بياعك ماهر
يجبر بالخاطر ياجميل واصلني
ياسمك ياندا يالون الفضة
والعمر أتمضى وأنت مخاصمني
ياسمك يا احمر يالون العنبر
تمشي وتتمختر مشيو يجنني
ثم أنطلقت المغنية بموال وياليل وياعين فشق صوتها القوي العالي ليل دمشق الربيعي الساحر ثم غنت :
يابرق سلم عليهن وقلهن يرضو
ليلي ياليلي ياعيني
وأستعجلوا بالجواب آه عشاقكم مرضو
ليلي ياليلي ياعيني ..
*
وحياة عيونك أنا تايب لوجه الله
عن المعاصي .. وعن الحب لاوالله
هاتوا المصاحف لنحلف نحلف بكلام الله
والتم يحلف والقلب يقول لا والله
أنفتح الهوى خمنت غايبي جاني
ركضت فرحان وضحكان
أستلقيت الباب بحضاني
آه ... تاري الهوى غرار
حبيبي ماجاني ...
وعصف الطرب بالرؤوس وطلبت المدعوات المزيد من الطرب ولم تبخل عليهن المطربة بشيء وغنت
لإحدى العرائس المدعوات وكانت على مايبدو حاملا بأشهرها الأولى وتتوحم ...
وهذه المرة لم تتوحم على أكلة بل على أغنية ولبت المغنية طلبها وغنت لها :
على بياعينو العنب
حلوة بتتوحم عالعنب
جبلي وجبلي وياماما جبلي
حلق الألماس ريتو يلبقلي
خود ألماسك وجبلي العنب
*
وجبلي وجبلي وياماما جبلي
حلق اللولو وريتو يلبقلي
خدو بيعو وجبلي العنب ..
*
جبلي وجبلي وياماما جبلي
الطوق الدهب وريتو يلبقلي
خدو وبيعو وجبلي العنب ...
وصعدت العروس إلى مخدعها بعد أن عاد العريس من سهرة الرجال وبقيت عنده فترة ثم نزلت ترتدي ثوبا أزرق بلون السماء وكانت تحلي شعرها بحبال من اللولو وأقتربت الصبايا منها يهمسن في أذنها أسرارا تبعث على الإبتسام كما يبدو وأنا أرى العريس يرفع طرف الستارة خفية ولاتظهر إلا عينيه ليتفرج على العروس وهذه البهجة التي أضفاها نزولها إلى العرس .
ولاحت لي من بعيد صواني البوظة بالفستق تكاد تتطاير فوق الرؤوس وفرحت جدا ( عرس بلا بوظة وبلا ملبس يعني مو عرس ) .
وصعدت العروس إلى عريسها لتأكل معه ( كاسة الإيمع ) ثم عادت إلينا ترتدي ثوبا زهريا وردي اللون وذهب ماتبقى من عقلي يسحرها في كل مرة كانت تصعد لتغير ثوبها وتنزل إلينا كانت تزداد ألقا
وبهاء ... وسمعت أن ( داية ) بيت أهل العروس موجودة في العرس ولم أفهم سر حضور الداية مع أن أحدا لايعاني آلام الولادة !!!
وأطفأت الأنوار في مخدع العروسين وأرتفعت الزلاغيط من أرض الديار فجاة ... ثم عادت جوقة المغاني للعزف والغناء والرقص وكأن العرس لايريد أن ينتهي فالفجر لم يهل بعد :
دخلت باب الجنينة .. رد علي البلبل والياسمين اشتكى
والورد قال أعبر ياسجرة المنتهى
شوحملك قرنفل قالتلو قلبي داب
وعالحبايب مابقى يصبر ...
*
بتميل بتميل هالسمرة .. وعينها على ميل هالسمره
روحي السمره .. عيوني السمره .. حياتي السمره بضو القمرة
شعلت قنديل
*
أنا البنفسج أنا المصبوغ بالنيلي
على الشب يللي قاعد مقلبيلي
كسرتني ياحلو كسر الفناجيلي
وأنبليت بعشرتك الله يهنيني
وبتميل هالسمرة ...
وهمست جارتي العجوز بإذن جارتها قائلة :
- قرب الصبح يطلع ... إن شا الله ماتكون العروس نسيت شو علمتها تقول للعريس عتد وش الصبح !!
- دخلك شوعلمتيها ؟
علمتها تقول لعريسها كلام حلو كتير :
يسعد صباحك ياصحبة حلالية
ياقش عنبر ياخلقة إلهية
لو قدمولي بدالك من ألف لمية
أنا مابهوى بدالك ولا إلي بحدا نية ..
*
مرقت على ساقية شط غالب شط
لقيت سناسل دهب بإيدي بتنحط
وحياة مين علم الغزلان الأمز والنط
لعبوا بعقلي متل مابيلعب هالقلم بها الخط ...
وأذن الصبح ... وأنسحبت السيدات للفوقاني لتأدية صلاة الفجر ... وجهجهة الضو ... وبدأت العصافير تزقزق على شجر الليمون والنارنج وأغصان زهرة المانوليا التي تعطر الصباح برائحة الجنة ... وبدأت المدعوات بالحركة لتبديل الثياب ولبس الملايا السود والمناديل السوداء الكثيفة وضب ملابس السهرة في البقج
وإيقاظ الأطفال وحمل الرضع أستعدادا للعودة إلى منازلهن مع إشراقة أولى خيوط الشمس وفوجئت
المدعوات بأن أطفالهن جميعا وبلا استثناء قد بللوا فرشات النوم ... وخجلت كل واحدة من طفلها أمام أصحاب البيت .. ولم يكتشفن أن إحدى الصغيرات أكتشفت أنها ( عملتها ) دون أن تدري .. وحتى لاتضربها أمها أخذت ابري الماء وبللت ( حفاضًات ) الأطفال كلهم , وضاعت جريمتها وسط جرائم المجموع وليس أحد أفضل من أحد !!
شقشق الضو ... وخف الضغط وودعت الكراسي الخيزران الفراشات الملونة وفضح نور الصباح قشور البزر الأبيض والأسود والفستق والماء المسفوح على الأرض والملبس المكسر بين الكراسي
.. أنتهت الليلة ..
ووقفت أم العريس وأخواته وعماته وخالاته عند الدهليز لوداع الضيوف وقد حلفت أم العريس على اللازم اللازم من الأهل لتناول طعام الفطور وكانت صواني البغاجة والحلويات والحليب السحلب الساخن والكعك التازه قد وصلت كلها مع طلعة النسوان من الباب من عند أبوحرب أحسن بغجاتي بالشام .
وشددت أم العريس الدعوة وأعتذرت أمي بشدة بسبب أضطرارها للعودة إلى أخوتي الصغار , ودعي جميع من في العرس لحضور مباركة العروس بالخمسة بعيون الشيطان وبالستة !!!
ووعدتها أمي بالحضور بالخمسة أو بالستة ...
- مبارك ماعملتو إن شا الله جوازة الدهر وعقبال البكاري
- أصحي ماتجي عالمباركة
- بجي تقبريني والله بتشرف !!
- يو ... ميت أهلين وسهلين ...
- بها القامة وبها العين ...
- سلميلي عالأفندي وبوسيلي الصغار
- يي الله يسلمك
- خاطركن
- مع السلامة .
ودامت أنوار الأفراح ساطعة في دياركم ...
وعقبال العزابية ....
انتظرونـــــا بالتلبيسة ( حفلة الرجال )
وهمست جارتي العجوز بإذن جارتها قائلة :
- قرب الصبح يطلع ... إن شا الله ماتكون العروس نسيت شو علمتها تقول للعريس عتد وش الصبح !!
- دخلك شوعلمتيها ؟
علمتها تقول لعريسها كلام حلو كتير :
يسعد صباحك ياصحبة حلالية
ياقش عنبر ياخلقة إلهية
لو قدمولي بدالك من ألف لمية
أنا مابهوى بدالك ولا إلي بحدا نية ..
مرقت على ساقية شط غالب شط
لقيت سناسل دهب بإيدي بتنحط
وحياة مين علم الغزلان الأمز والنط
لعبوا بعقلي متل مابيلعب هالقلم بها الخط ...
وأذن الصبح ... وأنسحبت السيدات للفوقاني لتأدية صلاة الفجر ... وجهجهة الضو ... وبدأت العصافير تزقزق على شجر الليمون والنارنج وأغصان زهرة المانوليا التي تعطر الصباح برائحة الجنة
أتمنى أن عدت بذكريات الماضي
كانت العروس جالسة على ( الأسكي ) العالي المزين بالسجاد والورود والأنوار ولوحات كبيرة مضيئة مكتوبة
بخط جميل : ( الله ) ... ( محمد ) ... ,( ماشا الله ) ... عين الحسود تبلى بالعمى ) ...
وغير بعيد عن الأسكي كان ينتصب بكبرياء ( سَبَت ) العروس مغطى بقماش الشيفون الزهري الذي
يخفي تحته طبقات من الملبس والسكاكر والشوكولاته على شكل ليرات ذهبية , ولعب من السكر الملون وآلات موسيقية من السكر ... ينتظر بصمت وصول العريس ليفتحه ويشعل أنواره ويطعم العروس ملبسة ثم يقذفان معا حبات الملبس والسكاكر على المدعوات لتصاب بالعدوى كل من لم تتزوج بعد .
وجلست مبهورة الأنفاس أمي تسلم على جاراتها في المقاعد الخلفية وتتبادل التحيات والسؤال عن الصحةوالأحوال عن بعد مع قريباتنا , كما تتبادل مع جارة ظريفة خفيفة الدم حول جمال العروس ( وغندرتها ) وتطلقان النكات المرحة , مع هذه المجموعة وتلك ... وترن الالضحكات النسائية العذبة الرقيقة مع رنين الأساورالذهبية الناعمة في أجواء الديار العربية المفتوحة على السماء الصافية ذات النجوم الفضية , وتعشعش هذه الضحكات في اشجار الليمون والنارنج والكباد والليلك وعائش الياسمين ودوالي العنب .
وسيدة تطلب كاس ماء بارد
وثانية تنادي من شباك ( الفرنكة ) في الفوقاني من البيت ... على من لها طفل ملفوف ( بقنداقة ) حريرية مطرزة بالأزرق لتصعد وترضع ابنها لأنه يكاد يغشى عليه من البكاء وقد يوقظ بقية الأطفال
وثالثة تصرخ بحدة في وجه جارتها الأمامية لأنها عادت بكرسيها الخيزران إلى الخلف فجأة فداست رجل الكرسي طرف تفصيلتها السواريه ( التول ) فمزقتها ... والعروس تجفف بطرف منديلها الأزرق المطرز العرق عن وجهها من شدة وهج اللمبات الكهربائية واللوكسات حتى لايسيل العرق وينزع غندرتها ....
وأم العريس تستقبل مع بناتها ( طفات جديدة ) عند الدهليز بالأهلا وسهلا وعجوز لها وجه منور تراقب الصبايا بسرور وهن يتفتلن بأرض الديار وحول البحرة بسعادة وتتمتم بإبتهالات متواصلة ترافق حركات أصابعها ... وهي تدفه حبات مسبحتها البيضاء الناعمة بيدها النظيفة حبة وراء حبة ... وأطراف سطوح البيت المطلة على الديار تنبىء رغم العتمة بوجوه الجارات غير المدعوات وقد أختفت خلف الأغطية البيضاء على الرؤوس ... وأنا شاخصة بعينين ثابتتين في وجه العروس أجمل إنسانة في الدنيا كلها .
إذن هذه هي العروس ... !!
ياإلهي كم هي فاتنة وكم هي باهرة !!
فكم قالت لي أمي : ياعروس عندما كنت أقضي لها ( غرضا ) ... وألبي طلبها بسرعة !! وكم كافأت أخي الصغير بكلمة ( الله يرضى عليك ياعريس ) عندما كان يملأ لها ( حق الماء ) من ( فيجة ) الحارة ...
إذن فالعريس والعروس هما ذروة المجد الأنساني ... وآخر الطريق الطويل ... والمثل الأعلى عند الناس الذين تزوجوا والذين لم يتزوجوا بعد .
العروس حلم البنات الصغيرات والعريس حلم الصبيان الصغار ويكبر الجميع ويتحقق الحلم ...
فالعروس وبإحساسي الطفولي مخلوقة فذة خارقة للطبيعة ... ملاك بأجنحة لاتطير ... ليست كالناس جميعا ... شيء أعلى هي مركز العالم ونقطة النهاية ... طير أبيض جميل وسط مجموعة من الغربان السود !!
العرس في قلبي وعيني هو ( العروس ) فقط وكل ماعداها في الظل .
ربما كنت أراها باهرة لشدة ما يلتمع على رأسها وفي صدرها وعنقها واذنيها ويديها من قطع الماس
الحقيقي القديم , ومايزينها من ورود وقرنفل وياسمين .
وكنت رغم صغر سني أحس بالحقيقة الخفية وأحلل الأمور ويتلاشى انبهاري للحظة أو لحظات ثم أعود
مبهورة . الماس ليس لها ... عـــيرة !!
نعم ياعروس ... كنت اقولها لها بقلبي , انا أعرف من ستي وأمي أن أكثر العرايس يستعرن الماس من العائلات الدمشقية التي تملك قطع الماس القديمة النادرة ثم يعاد إلى اصحابه بعد أنتهاء المناسبة ... وكانت العروس تقرأ مافي نفسي فتعدل ( الموطيف ) الماسي في صدرها ... وتذكرت ام حسني السيدة الطيبة التي تسكن حي الميدان عند آخر الخط ... وشرد ذهني عند آخر محطة يقف فيها الترين بعد رحلة طويلة ممتعة من المرجة حتى ميدان فوقاني ... واركب مع ستي ام امي في الترين بسعادة بالغة جالسة حتما إلى جانب النافذة أتفرج على باب الجابية والسنانية .. وجنازة متجهة إلى الباب الصغير وشواهد القبور الرخامية ترتفع فوق دك التربة إلى يسار الترين ... ثم يقف الترين عند جامع الشيخ حسن و ويستمر في رحلته عبر حي الميدان إلى السويقة فالنحاسين حيث حواصل الخشب والرخام ودكاكين معلمين الصدف والموزاييك ... وجهاز عروس يحمله ( العتالة ) على كراجة :
كراسي وكنبايات صدف وخزانة صدف ببابين وبيرو صدف وطرابيزات وقشوة ومرآة ( وقبقاب العروس ) وكلها من الصدف ...
ويقف الترين عند باب مصلى والولي عسقلان ومحمصة القضامة والبزر والمسلخ , ثم يسير بنا الترين مارا بالمجتهد سيدي صهيب حمام فتحي بوايك القمح , القرشي الجزماتية آخر الخط ... فأنط أنا من على المقعد الخشبي وأصرخ بصوت عالي :
هاوس ... هاوس ... عمو ... مع أنه ( سيهاوس ) بصورة طبيعية فنحن عند آخر الخط ...
وننزل ويحول سائق الترين ( السنكة ) وتشتعل شرارة كهربائية فأرتعب , ويزمر الكمسري ( بزميرته )
ويعود الترين إلى المرجة ... إنه رجل عظيم قائد الترين قادر على قيادة الترين من الطرفين !!!
لكن الحمد لله اللي ماطلع المفتش لأنو ستي ماقطعتلي ورقة ... !!!
وأسير وانا أنظر إلى الخلف ... وستي تسحبني وانا مشدودة إلى الترين وإلى نغمات جرس الترين اللطيفة يعزفها قائده برجله بضربات خفيفة محببة ينبه بها الناس إلى ان ( الترام ) قادم ... وتشدني ستي الله يرحمها :
- أمشي لك تيتي أمشي وصلنا هادا بيت خالتك أم حسني مابقى غير فشختين ... !!
أنظر إلى وجه العروس وأتذكر وجه أم حسني العجوز الطيبة التي تملك مجمعا من الماس الحقيقي يأخذ العقول وهي تعيره بكامله لكل من تطلبه ( عيرة ) ... لأبنتها في ليلة عرسها , وكانت أم حسني تدعى إلى العرس فتسلم القطع إلى أهل العروس ثم تستلمها عند الفجر عند نهاية العرس وتعود إلى بيتها وكان مجمع أم حسني على ما أذكر يضم قطعا نادرة تزين الرأس والعنق والصدر والأذنين واليدين والزند والأصابع ... وللقطع اسماء حلوة كاشكالها :
زنابق طيور , مشط للرأس , مية ألماس للصدر , مشط بإحدى عشر نجمة , دالية , بروش الماس , عرق لولو وذهب فلة وشمسية , غزال رقاص وهاج , خاتم زيتونة , إسوارة حية , إبرة والبرة قطعة ثمينة تشك في صدرالثوب أوراقها خضر , حلق طوال , حلق بحرية , حلق بريشة , حلق خرس مدور مثل الفلة , أساور لولو والماس ودهب رفاع .
ولابد ان يقدم العريس لعروسه قطعة مجوهرات ثمينة امام الناس وهي تجلس على الأسكي عدا مايقدمه ابو العريس وام العريس وقريبات العريس , ولابد أنهم قد علموا العروس أن تقول لعريسها عندما تنفرد به في مخدعها :
- لن أكلمك حتى تعطيني حق شعري !!!
وسوف تطالبه بثمن شعرها الطويل الجميل بطريقة مغرية لطيفة كما علموها :
فتاح جزدانك وعطيني حق شعري
وياريش دردر على ضهري
وأنا صبية بأول جهلي
والليل طويل على مهلك ومهلي ...
ولا بد أن يقدم العريس لها حق شعرها بالليرات الذهبية , أما صبحية العرس فقد سمعت أنهم علموها لتقول :
- يسعد صباحك يللي صبحتني انا اليوم
لشلحك البدلة الرسمية ولبسك قميص النوم ...
وأنا رغم صغر سني فقد كنت ( كالخلد ) أعرف كل عادات الكبار والأصول أن يقدم العريس صبحة العرس لعروسه وبأكثر الأحيان :
مناشف ثمينة – فوطة حمام قصب – بقجة تقيلة مطرزة بالصرما – طاسة حمام
- شحاطة - قبقاب - بودرة وحمرة ...
والعروس تقدم لعريسها صبحة العرس : - كجوز جرابات - جزدان - محارم - قطعة جوخ - بيجاما - روب دي شامبر - منطوفلة .
كل هذه الصور الجميلة لم تذهب الخوف من نفسي على هذه العروس الجميلة , فأنا أعرف ان العادة أن يقوم العريس بحركة عنيفة تثبت رجولته وقوته وبأسه حتى تخشاه العروس وتحترمه ومن ليلة الدخلة .
وتتأكد مخاوفي , وتهمس مدعوة بإذن جارتها كلاما يدق له قلبي , فقد سمعته بحرفيته :
- مسكينة ... هلأ أول مابيجي العريس وبيطلع لمخدع النوم , وأول ماتحكم عيونو على عيونها
بدو يلطشها - كف حتى تاخدلو ( روزة ) ويكون فايز عليها !!!
- والله مابتعرفي ... إذا إجا وطلع عالأسكي وسبقتو ودعستلو على رجلو قبل مايدعسلها على
رجلها بتكون سبقتو من أول ليلة .
- تقبريني ... العروس عاقلة وصغيرة وماراح بيطلع بإيدها ... والعريس عسر ويمكن يضبعها من
ليلة الدخلة .
- لاتخافي ... أمها شاطرة وبتكون علمتها كل شي ... إي والله والله أنا عزموني على ( حمام الليل )
- وعلى ليلة ( النقش والحنة ) وعلمناها شوتقول للعريس أنا وبنات خالتها ... وبنات أحما
أختها درية .
- وراح تطلع قدو وقدود ...
- يوه ... شوعلمتوها ؟ بالله تحكولي لبين مايجي العريس , ويو الأريشة ليش ماعزموني عالحمًام ؟
- وإحكيلي إنشا الله أنبسطوا بالحمًام ؟
- يي شو أنبسطنا ... والله كنا منشتهيكي ... والله أهلها عملولها حمام مدلل ... هادا ياستي قبل
الحمام عزموني على ليلة الحنة وأتحنوا العروس والصبايا قدامي ...
- دخلك ... والله أنا مابعرف شلون بتصير الحنة ... أنا وقت عرسي ماتحنيت
- بعرف تقبريني هي عادة قديمة وما عدا أتحنا إلا القليل القليل ... إي والله أنا قبل عرسي بليلتين
أتحنيت حنة شي ظريف كتير , وبتذكر ستي أم أمي شلون قعدت تناقشني وتعلمني شو قول للعريس إذا
سألني شي سؤال .
- قبل كلشي جابت ستي شمعة عسلية ولبانة وسيختهن سوا على نار المنقل وصارت تغط القشة
بالشمعة العسلية واللبانة وترسم على إيدي وزنودي ورد ومثلثات ودويرات وحجب و3 تفاحات
والغزال الملتفت
- وتعلمني على كل رسمة شو قول للعريس إذا سالني :
- شو أسمو هادا ؟
- وبتذكر علمتني على نقش الزنود هالكلمة :
- نقشك شمياه وعليه الميله
- يافرحة عريسك مبارح والليلة
- وقعنا بالحب تلاتنا أنا وأختي وجارتنا
- عانقني لعانقك ... وإن ماعانقتني بخانقك
- عرق زداب وقلبي عليك داب
- مخدة أبن العم
- عبيد عبيد كلم سيدك خوابي النيل بتريدك
- قاعد قبالي وقاعة مقابيلو وياشبه الأموي إذا شعلت قناديلو وطول الليل بيغنيلي وبغنيلو
- إيه ... الله يرحمها وبرحم ( الطراب ) يللي ضمها .
-
بعدين ياستي جابت ستي الحنة الحمرا وجبلتها بالمي الباردة وعجنتها وصارت تدهنلي إيدي
وصارت تلف الأصابيع أصبعة إي وأصبعة لأ بشرطوطة ولفت الباهم وحدو .
وتاني يوم الصبح قامتلي الحنة وقلعتلي الشمعة وغسلت إيدي وبعدين إجت ودهنتلي أضافيري وإيدي
( بالغشوش والزرنيخ والدبس ) ولفتلي إيدي بورق التين شي ربع ساعة بدك تقولي ,
قالحتى يصير النقش أسود غامق ويبين بياض الأيدين والزنود , والله كان شي حلو وبياخد العقل .
سقى الله ذكرتيني بليلة عرسي كنا غفل وبتذكر شلون علمتني أمي قول للعريس أول كلمة ليلة
العرس وشو تعذبت حتى حفظتها :
قشر السمك ألتزم
أصل لزومب معك
طقت قلوب الأعادي
لما نظروني معك
تفنى عضامي ولاتفنى المحبة معك
وبتذكر علمتني قول لعريسي :
يدوب جسمي كل ما تجو على بالي
كما يدوب الحصى بروس الجبال
أسالو ا المبتلي ولا تسالو ا الخالي
أسالو ا الثريا والسبع نجمات
يانجمة الصبح تنبيكن على حالي ...
- إي ماحكيتيلي عن الحمام ؟:3rbe_com_033:
- جاييتك بالحكي تقبريني ... هادا ياستي أهل العروس أخدوا الحمام من بابوا وعزموا الأهل
والمحبين واللازم اللازم .
أنا بعرسي أخدنا جرنين تلاته حماية وحطينا على باب المقصورة فوطة من خوفنا على حالنا من عيون الناس , ووقتها ساوينا كبة نية أخدنا اللحمة المدقوقه وكل أواتيل الكبة بصلتها وفلفلها وملحها والبرغل والسلطة وكلو حضرناه بالحمام وأبي بعتلنا سطل عرقسوس وعشر بطيخات حطيناهن ببحرة الحمام بالبراني بالمي الباردة ... والله والله صرنا نغني ونرقص وندق على ضهر الطاسة .
وأنا لأني العروس قعدت على جرن الأسطه ... بتعرفي أنو جرن الأسطه مابيقعد عليه غير زبوناتها , والله غسلتلي راسي الأسطة ودللتنا معلمة الحمام دلال ودلال ومافي غير هالبلانة عم تزق مي باردة لأنوا غيامنا ماكان في زنبوعة مي باردة فوق الجرن مافي إلا زنبوعة مي سخنة , وبتعرفي كنا أهلية بمحلية وأنبسطنا بسط وبسيط .
وبعد الدخلة رحنا مع أهل بيت العريس على حمام الغمرة وبتذكر كان الوفا والصابون والأكل على بيت أهل العريس , يي سقى الله شو زلغطولي بها الحمام زلاغيط وزلاغيط :
أوها أم العريس الله يعطيكي
أوها والسعادة بتواتيكي
أوها وعقبال فرحتك بالكمالة
أوها ومنجي ومنكافيكي
لي لي لي ليش
* * *
أوها أم العريس أنا جوعانة
أوها وبدي صفيحة مقمرة
أوها وإنشا الله بتضلي سالمة
أوها وديارك معمرة
لي لي لي ليش ...
- دخلك ؟ وإن شا الله كان حمام عروستنا ظريف ؟
- يي ... إي والله ... دق عود ورقص وصوات حلوة وضيافة راتبة صفيحة وفواكي وليمونادة وها الصبايا عم تتفتل بالحمام بالفوط القصب وأنفردت مناشف شي جخ كتير وبعد الحمام أنصفت الصبايا عالمصاطب ولبسو لبس حلو كتير وكانت العروس بيناتهن عم تضوي وعملولها تفتيلة حوالين البحرة وما خلوا حدا يدفع أبدا , حرام والله الجماعة تكلفوا
. إي ... تسلملي العروس حلوة قمر مصور وصغيرة بيلبقلها الله يبيض بختها .
دخلك ؟ إن شاء الله مانسيوا يعطوها خميرة عجينة حتى تلزقها علباب قبل ماتفوت لبيت حماها حتى الله يركن بالها ويبيض سعدها !!!
إي والله أنا ليلة عرسي إجت واحدة من قريباتي .....
( حبيلة ووليدة ) وناولتني الخميرة على ورقة خضرا حتى ألزقها على باب بيت العريس قبل ما أدعس قدم حتى تكون جوازة الدهر وكل ايامي خضرا .
ايامي خضرا . ورشولي ملح من العين ... إي والله والله
قبل مايحاكيني كلمة عريس قبل ماطلعنا على مخدعنا مد ديل بدلتي البيضا الطويل وصلى عليه
ومن يومها والله حياتنا متل السمن والعسل .
- شوفي شوفي ... مدري مين إجا !!! ؟؟؟
وألتفت أنا مع المرأتين لأرى من الذي حضر فقطع الحديث الممتع الجميل وحرمني من تفاصيل كثيرة ...
فوج جديد من المدعوات مع أطفالهن الرضع ومع كل واحدة بقجة ملابس كبيرة ...وصعدن الدرج رأسا إلى الفوقاني وبعضهن دخل إلى قاعات البيت المتخصصة في الطابق الأول لإرتداء الأثواب السواريه الملفوفة في البقج المطرزة بالصرما والقصب .
دخلت المدعوات إلى القاعات بالملايا السود كالأشباح وخرجن منها بعد فترة كالحوريات بالتفصيلات
الملونة والسوارية المقصبة بعروق الذهب أو الفضة والمزينة بالورود والمجوهرات الثمينة وكانت
التفصيلة على جسم صاحبتها البض وقوامها الفارع وبياضها الناصع تسرق أهتمام المدعوات بالعروس وجمالها وثوبها الأبيض .
وطبعا فلإسم الخياطة أهمية بالغة في تلك الأيام فهذه تخيط عند بيت فركوح وتلك لايقبل اسبر دادا تفصيلتها باقل من مئة ليرة ذهب وثالثة لاتخيط إلا عند مدام روز بالقيمرية .
والذي كان يدعو إلى انبهاري أن كل واحدة من الصبايا كانت تغير ليلة العرس أكثر من ثلاث أو أربع
تفصيلات غاية في الذوق والفن ... وتصعد بثوب وتنزل بثوب تختال كالطاووس تلفت الأنظار وتثير كلمات الأعجاب ( إن شا ء الله ما بيعدم ) ... ويو ( يسلملي هالقامة ) وتبعث البهجة
في النفوس التي تحيي زوجها عن بعد ( إن شاء الله بيتهنا ) !!!
أما العرائس الجديدات والتي لم يمض على زواجهن أكثر من سنة فإنهن يرتدين في البدء التفصيلات
السواريه البيضاء ويتشكلن بالورد الأبيض كالعروس تمام وتفتلن في العرس كالملائكة .
وأيقظتني من أحلامي العذبة وعالمي الملون بألوان الثياب الجميلة في ليلة العرس سيدة طيبة هي يد أم
العريس وهي تدفع إلى حضني الصغير بصرة سكاكر وموالح , منديل أبيض فيه بزر وفستق وقضامة وملضمينا ولوز وبندق وملبس وراحة وقرص فستق على سكر , صرة لكل مدعوة حت تتسلى في الليلية التي سوف تمتد حتى الفجر .
ولاحظت أن صدر العروس يعلو ويهبط كثيرا ولم أفهم سر هذه الظاهرة ... حاولت أن اسال أمي ولكنني خفت أن تغضب مني لأنها أشترطت عليي الهدوء التام في العرس وعدم الكلام حتى تأخذني معها مرة ثانية ... مابال العروس ؟ وهل هي خائفة ؟ وهل يمكن أن يخاف الأنسان في هذه السهرة وهذا البيت الذي أراه قطعة من الجنة ؟
وتيبس في مكاني مع أن رغبتي الحقيقية هي أن أثب طائرة لأحط كالطير إلى جانب العروس أو عند قدميها كما تفعل الصغيرات في العرس أمام عيني وانا أتحرق غيرة ... والعروس خجلة لاترفع عينيها إلى المدعوات اللواتي يحدقن بها طيلة الوقت !!!
وكرسي العريس إلى جانبها ينتظر وصول فارسه ...
وقيل أن بيت العريس قد أحضروا لعرس ابنهم جوقة طرب ولم يعرف أحد من ستكون المطربة وقالت لهن أمي ضاحكة :
يمكن بنات مكنو !!!
مع أن بنات مكنو جوقة نسائية قديمة سمعتها أمي في طفولتها , وردت عليها جارة ترد النكتة :
لأ ... يمكن ( رمزية البقة ) يا إما ( بدرية نمًل بدني ) يا أما ( جميلة وأخلع ) وقالت لها أمي وهي تضحك : كل شي إلا نظمية الخنة !! دخلك بتطالع الروح ... دق عودها ظريف ... لكن يا أختي لبين ماتدقلها شئ دقة بتطقق القلب مابتدق حتى تتعشى وحتى تقدميلها باكيت سيكارة ... وإذا حَبَت بإيد خاتم وما بتعطيها ياه بتحرد وبتبطل تدق تقبروني مابحسن عليها ...
وردت ثالثة :
إن شا الله بتجي أم حلمي مع أنها كبرت ... لأني بحب منها لبس الرجالي وغنية ( ياحلالي ويامالي وياربعي تردو عليي ) وغنية ( جربوني بحيك وبغزل ) وإن شا الله مايعدم عليها الشروال والميتان والشال والحطة والعقال والشوارب العيرة ...
وهمست سيدة رابعة :
يو ... لاوالله أنا مابحب صوت أم حلمي إن شاء الله يجيبو ( مكية السمرا ) يا أما ( ناجية كلش ) يا أما ( فهمية قاعاتي ) يا أما ( بدرية النقرا ) وإن شاء الله بجيبو واحدة معها جوق دقاقة عود وقانون وكمنجة ودربكة ودف وفقيشات حتى ننبسط .
أخبار مغرية ... وطار النوم من عيني ... ولكن صبايا العرس لابد ان يرقصن رقصة التفتيلة مع العروس ويدرن بالعروس حول البحرة الرخامية الكبيرة التي يطف منها الماء وينساب من نافورتها بنغم رتيب يوحي بالسعادة .
العروس في الوسط وعدد من الصبايا يفوق العشر يسير خطوة واحدة على نغمة واحدة .
وأنطلقت أغاني التفتيلة ترن في أجواء العرس والعروس بين الصبايا تمشي بخطوات متعثرة خجول لاترفع عينيها عن الأرض ... وتبدأ الأغنية الأولى للتفتيلة بكلمات غامضة تعبر عن الفرح بنغم هادىء :
هيها ... هيها ... هيها ...
وكأن هذه الكلمة تشير إلى العروس التي تمسك بيديها الصبايا قائلات :
هذه هي عروستنا ... أو هاهي العروس ...
وتكرر مجموعة الصبايا وهن يتمايلن يمينا ويسارا في حركة ناعمة واحدة :
هيها ... هيها ... هيها ....
هيها ياست ويابنت ...
كم مية قبض بيك
وتعذبنا لحتى رضي خيك
ويجعلك إن شا الله مبروكة
علينا وتتهني بعمرك
لي لي لي ليييييش
*
هيها ياست ويابنت
قيمي الغطا وأرميه
حرقة ابو اللي حيكو
واللي سعالك فيه
إن كان بيت ابوكي
بسمار إقلعيه وخديه
لي لي لي لييييش
*
هيها قومي أطلعي عالقصر العالي
وبحياة أبوكي هالغالي
حلفت وقالت مابطلع
إلا بجوق المغاني
لي لي لي لييييش
*
وأغنية ثانية لعروس الشام :
أسم الله أسم الله يازينة
ياورد جوة الجنينة
زهر القرنفل ياعروسة
والورد خيم علينا
*
قومي ألعبي بحبل اللولو
وأفردي شعرك على طولو
خليهن يحكو ويقولو
آه ياحلاوة عسلية
*
قومي ألعبي بعرق الألماس
واللولو حارس هالبزاز
الله يجيرك من كلام الناس
آه ياحلاوة شامية
*
قومي ألعبي بقميصك
كل العزبان على كيسك
الله يخللي عريسك
آه ياحلاوة عسلية
*
وتتابع الصبايا رقصة التفتيلة :
عالدلالي الدلالي
هالنقلة نقلة غزالي
لبست شلحة وشلحت شلحة
وتحت الشلحة شي ضوالي
عالدلالي الدلالي هالنقلة نقلة غزالي
لبست لولو وشلحت لولو
وتحت اللولو شو ضوالي
وأغنية ثالثة للعروس :
عالنايمة عالنايمة
لاتجعزوا هالنايمة
عالنايمة ومرحرحة
والخصر زي المروحة
عالنايمة ومحناية
وتعبشي عمرك مهناية
عالنايمة نومك نوم
وياحبية قلبي دوم
ولولا هالصلاة والصوم
لكنت بعبك نايمة
عالنايمة عالنايمة
لاتجعزوا هالنايمة
لابد من التفتيلة في كل عرس , ولابد أن ترقص العروس حتى ( يفتل ) حظها ويرقص طيلة حياتها الزوجية .
وأعيدت العروس إلى الأسكي حيث كرسيها الفخم العالي والدقائق تمر عليها ساعات , أو أن الساعات تمر دقائق لست أدري فالعريس مخلوق غامض جميل ومخيف ومحبوب ومرهوب .
الكرسي الخالي إلى جانبها ينادي صاحبه ... وهي تنتظر بشوق ولهفة ورهبة وصول الأنسان الذي أختاروه لها والذي ستراه الليلة وتكلمه ولأول مرة .
ونسمع من بعيد هرج ومرج وأصوات رجال وإطلاق رصاص في رأس الحارة ... ويظهر أن عراضة العريسقد وصلت من التلبيسة , والشبان يسيرون في الحي حول العريس يرددون في الليل السعيد الذي طار فيه النوم من عيون الجيران
( صلوا على محمد ونير وغضير وعادنا وبيض الله وشو ... وصلوا على محمد
ونير وغضير .... )
وترد النسوة في العرس على الرجال بالزلاغيط عند الدهليز ووراء باب البيت تستقبل العريس أمه وأخواته وعماته وخالاته وقريباته كلهن .
ويجتاز العريس عتبة الباب ثم يمر بالدهليز ويطل على ارض الديار بطوله الفارع وأناقته البالغة وطقمه الأسود وطربوشه الخمري وأبتسامته الخفية تحت شاربيه الكثيفين . وترنفع أيدي المدعوات بالأغطية والمناديل وأطراف الأثواب السواريه لتغطية الرؤوس والصدور والزنود العارية .
وتهمس أم العريس في إذن إبنها العريس :
- تقبرني بلا هالطربوش ... قيمو والله قيمو ... أحلى ماعاد حدا حط طرابيش !!
- لأ ... ماراح قيمو ... شونقام الشرف من راسنا يامو لحتى نشلح الطربوش ؟
- ويمشي خطوتين ...
- وتحدث في العرس مفاجأة !!!
وتنقلب الضحكات إلى دموع سخية تهر على الخدود , وتتحول الزغاريد إلى حوار بين أهل العروس
وأهل العريس .
- ويتوقف قلبي عن الخفقان ... وأقف على كرسي الخيزران لأرى بسهولة ما يجري هناك عند آخر البيت ولأطلع على تفاصيل الخلاف ولأسمع مايدور من حوار بين جهتين :
- العروس بكل جمالها الأخاذ وعظمتها واقفة على الأسكي ترتجف وتنتظر !!
وإلى جانبها تقف أخواتها المتزوجات وعمتها الكبيرة ... فأمها متوفاة ... وعند أول الديار يقف العريس بكل وقاره وصمته تمسك بمرفقيه أمه وأخته الكبيرة تقسمان بالأيمان المغلظة (( بالعظيم بالقسيم )) أن العريس لن يتحرك خطوة واحدة إلى الأمام حتى تأتي العروس إليه ... ومن الجهة الثانية تقسم أخت العروس الكبيرة والدمعة تكاد تخنقها أن أختها لن تنزل من مكانها ولن تتقدم خطوة واحدة حتى يأتي العريس ويسلم عليها !!!
وترتفع الأصوات من هنا وهناك ... لاالعريس يتكلم ولاالعروس تتكلم ولكل منهما محام يتكلم بأسمه بلا تفويض
. ويحتد الحوار ويتأزم الموقف ويرفض كل طرف أن يتنازل عن كلمته ويؤكد تمسكه بموقفه وحتى النهاية ... !!
ويكاد العرس أن يتحول إلى مأتم ...ويكاد الغناء أن يتحول إلى دموع وتكاد الزغاريد أن تتحول إلى شتائم ... وبحكمة الله تقف سيدة مسنة فاضلة ترتدي ثوبا أزرق وتتلفح بغطاء حريري أبيض وبيدها مسبحة وتعلن بهدوء الحل الوسط :
تحضر العروس إلى عريسها حتى منتصف الديار ويتصافحان ثم يأخذها من يدها ويصعدان إلى السكي معا .
ولقي الراي الحكيم صدى طيبا عند الطرفين , ونزلت العروس عن الأسكي وأختها تمسح عن خديها دموعا قاهرة ووصلت إلى نقطة الوسط وصافحت العريس وعاد بها إلى عرشها المتوهج بالأنوار المتلألئة والأزهارالنضرة الفواحة وعلق في عنقها مية ألماس ثمينة وسط تصفيق المدعوات وزغاريد الصبايا ثم شكل على صدر ثوبها البيض قرنفلة حمراء قطفتها له أخته من باقة تزين الأسكي فقطفت إحداهن للعروس زهرة زنبق أبيض فأخذتها العروس وشكلتها في عروة ياقة بدلة العريس وسط رياح التصفيق الحاد العاصف , ثم فتح العريس ستارة ( سَبَت ) الملبس الزهرية الشفافة وأطعم العروس من الملبس وأكل معها ملبسة وبدآ ينثران الملبس على المدعوات وقطع السكر الملونة وليرات الذهب المعبأة بالشوكولاته والآلات الموسيقية التي صنعت من السكر .
وأزداد الضغط حول العروس والعريس وهجمت الصبايا نحو الليوان في مجموعتين على رأس كل مجموعة سيدة تتقن الزغاريد , وكانت المجموعة تبدأ الزغرودة بكلمة ( أوها ) وتقول السيدة الماهرة الوصفة ... وتنهي الصبايا زغرودتها بكلمة ( لي لي لي لييييش ) .
أوها ياعريس لاتعبس
أوها فرود البقجة وألبس
أوها شواربك عرق الريحان
أوها وسوالفها عروق النرجس
لي لي لي ليييييش ...
*
أوها ببيتنا رمانة
أوها حامضة ولفانة
أوها حلفنا مانقطعها
أوها ليدخل عريسنا بالسلامه
لي لي لي لييييش
*
أوها سعيد ياواحد
أوها محمد ياتنين
أوهاواللي مابيصلي عالنبي
أوها يعدم هالعينتين
لي لي لي ليييش ...
أوها عاللعلعي عاللعلعي
أوها وياصبايا تجمعي
أوها ياليل طول طول
اوها وياشمس لاتطلعي
لي لي لييييييش ...
*
أوها حصنتك بياسين
أوها ويازهر البساتين
أوها يامصحف صغير
أوها على روس السلاطين
ولي لي ليششش
*
أوها شوهالنهار اللايق
أوها وفرحتلنا الخلايق
أوها وطقت قلوب الأعادي
أوها لمن حقتى الحقايق
ولي لي لي لييييش
*
أوها ديارنا كبيرة
أوها ودرج الحمام فيها
أوها وأم العريس فرحانة
أوها وربي يهنيها
لي لي لي لييييش
*
أوها ياعريس ريتو مبارك
أوها وياعريس السبع بركات
أوها وإن شا الله لما يجيك الصبي
أوها وبتكمل الفرحات
لي لي لي ليييش
*
أوها جبينك بيلمع
أوها أدانك بتسمع
أوها مامنطلع من هون
أوها لتطعمينا من هالمجمع
*
أوها أرفع راسك وأقشعها
أوها قبل ماتفرد مجمعها
أوها وإن كانلك صاحبة أهجرها
أوها وباب القهوة لاتعبرها
لي لي لي لييش
*
أوها ياجماعة كلكن
أوها ومانسينا فضلكن
أوها واليوم عنا
أوها وإنشا الله بكره عندكن
لي لي لي لييييش
*
أوها ياعريس ياواحد أوها أخوه ياتنين
أوها ياخرزة زرقا
أوها ترد عنها العين
لي لي لي لييييش
ووسط الزلاغيط التي ضجت بها الحارة صعد العروسان درج البيت إلى مخدع النوم وأشتغلت الوتوتة بين النسوان ... وهمست واحدة في إذن جارتها مازحة :
- ياريتني برغشة لأتخبى بشعر العروس وأسمع شو عم يقوللها العريس ... !!
- إي والله ... عروس حلوة ... ان شا الله بيتهنا ... شوفي ... شوفي ... شلون عم يشدوا الجلايل عاشبابيك حتى مانشوف شي !!!
هاها ها ها ...
وبغياب نجمي العرس عن الأنظار صفا الجو للمدعوات وبدأ دوزان العود بعد أن حلفت أم العريس على إحدى المدعوات إلا أن تعزف لهن ليتمتعن بعزفها المنفرد ولترقص ولتغني على عزفها صبايا العرس ريثما تحضرالمغنية وجوقتها , فعزفت لهن رقصة ستي وشدت أخوات العريس أكثر من مدعوة شابة لحلبة الرقص فهذه تتمنع وتلك تتدلل ولكن لابد أن ترقص كل واحدة في نهاية المحاولة ...
وطلب من أم الصوت الحلو في العرس أن تغني لهن يامال الشام وميجانا وعتابا وليالي .. وياطيرة طيرة ياحمامة فأطربت وأنتزعت الآه من الحناجر :
( والكلمات مختلفة عن الأغنية التي نسمعها دائما )
ياطيرة طيري وياحمامة .... وأنزلي بدمر والهامة
هاتي لي من حبي عـلامة ... هالأسمر ابو الخال
يكفى عذابي وشرع الله
أنا على ديني ..جننتيني .... على ديني العشق حرام والله
علي وطيري ياحمامه ... ,انزلي بدمر والهامة
هاتي لي من حبي علامه ... سيجارة وبصة نار
يكفى عذابي وشرع الله
ياطيرة عللي واقليلي .... وأنزلي ببيت محبيني
إيش ماحكو تعي أقليلي ... وأحكيلي عللي صار
يكفى عذابي وشرع الله
ياطيرة طيري ستيتية ... وأنزلي ببيت الأهلية
هاتي لي منهن حنية ... تطفي بقلبي النار
يكفى عذابي وشرع الله
نزلت دموعي على كتفي ... من يوم فراقك ياولفي
قربي عليي وأنحدفي ... ياحلوة يا أم الخال
يكفى عذابي وشرع الله
نزلت دموعي محترقة ... وأنا الهويانة بالسرقة
ياماما ما أصعب الفرقة ... على الفرقة ومالي ضيان
يكفى عذابي وشرع الله
نزلت دموعي وانا باكي .... وأحترت بأمري لمين أحاكي
وأنا لربي شاكي .... من حر الشوق والنار
يكفى عذابي وشرع الله
وأنتهت الأغنية ترافقها وحاولت المدعوة أن تترك العود إلا بألف
يمين وألف عظيم قد الحا عليها من أجل أغنية ياحنينة فغنتها راضية ... وأهتزت ريشة العود وأنطلق
الصوت الحلو :
ياحنينة ويا حنينة وياحنينة ... شو هالزمان اللي أنقلب بعد الهوى
ويارايحة عالدرس وبإيدها المسبحة
وجاية من الدرس هويانة مسوسحة
ودخلك يايامو وشو هالمصلحة
وحبي وعشقي لعينيك أنا
ستي أنا ... وعيني أنا ... وحياتي أنا ...
والله لضمك ضم اللولو بعنقي انا
وياحنينة وياحنينة وياحنينة
وياحنينة يا أمة الإسلام حبيتي فينها
وياجناح الطير هدب عينيها
وياسعد مين شمها وضمها
زاد بعمرو عشرين سنة
وياحنينة وياحنينة وياحنينة
مساكين أهل الهوى شو تيتموا
ومن بعد ماكانوا كواكب عتموا
عطيتهن سر للحبايب ماتكتموا
ياحسرتي مين عاد يكتم سرنا
وياحنينة وياحنينة وياحنينة
شو ها الزمان اللي أنقلب من بعد الهوى !!
ثم ووقفت الصبية المرحة الذكية الحلوة ( أم سامي ) لتعدد بعض الأقوال الغزلية القديمة وترقص رقصتها المشهورة المضحكة التي تقوم على تقليد المدعوات :
( يورم خديجة بلمام ) تبدأ أم سامي الأغنية بصورة طبيعية لاتبعث على الضحك يورم خديجة بلمام ... يورم
خديجة بلمام ... جملة تركية تدل على أن خديجة ضائعة منها وتبحث عتنها وتقترب من كل واحدة في الليلية
وتسألها : شفتيلي خديجة ؟ وترد عليها إحداهن دون أن تدري ماينتظرها وبلهجة طبيعية : لا والله ماشفتها ...
ويأتي دور الثانية والثالثة وتأتي الإجابات مختصرة خوفا من التقليد ...
- لاياعيني ... ماشفتا ...
- لا والله ...
- مبارح شفتا ..
- لا ...
- الله يجمعك فيها ... ماكنتي إنتي وياها أولت مبارح ...
وتقلدها أم سامي ...
الله يجمعك فيها ... ماكنتي إنتي وياها أولت مبارح ...
وتضج السهرة بالضحك ... لا فائدة أم سامي تقلد كل سيدة مهما كانت ذكية ولكل واحدة حركة مضحكة حتما .
ويحلفن على ام سامي إلا أن تغني أغنيتها الظريفة وهي واقفة ترقص وتسال : أنو غنية بدكن ؟ على عيني وراسي !!!
وتتعالى الأصوات :
بدنا غنية ألف ألوف ... ويدق العود ويشتد التصفيق مع مطلع الأغنية الغزلية الغريبةوتبدأ الجوقة :
ألف ألوف والفتا
وأل ب بالمعنى بينتا
وأل ت تنيتا وتلتا
وال ث ثبتا عالغالي
أيام أنقلبت ليالي
*
حرف الألف ألف المحبوب لحضيني
وال ب أنبليت بحبك ياضيا عيني
درت العرب والعجم والترك يازيني
شاهدتهم ماحليلي غيرك بعينية
*
وال ت توتا عالاله صورك يازين
وال ث ثابت بحبي ماينشف دمع العين
دمعن سليتو ودمعن سال عالخدين
راقب إلهك وشوف الذي جرى بية
*
والـ ج جسمي أنضنى من الشوق والهجران
وال ح حلو المباسم سبا لبنات الشام
أنا لصير شبه العنيسي واسرح مع الغزلان
لأجل ريم الفلا راعي الحسينية
*
وال خ خليت عقلي شال من راسي
وال د دوبت جسمي ليش ياقاسي
لو كنت تعلم بالصد والهجران ياناسي
ماكنت دوقت جسمي لوعة الكية
*
وال ر رمحك الرديني قدك الميال
وال ز زعلان ليش ؟ ريت الزعل ماكان
أنا سهران لأجل محبوبي وليلي طال
ونومي شرد ياحلو ماعاد يحضر لعينية
*
وال ش شعرك ليلك آه من ميلك
وال ص صدك صبغ لوني كما ليلك
أظن يابدري ما إجينا على ميلك
بالوعد ياكمون بسقيك بالمية
*
وال ض ضحكك صبغ لوني بدقاتك
وال ط طيب جروحاتي بدياتك
آه ياحلو من بوسة شفيفاتك
ماعاد ينزل بقلبي شربة المية
*
وال ظ ظبي شرد عني ياحلو مين ردو
وال ع عفت الأهل والأوطان لأجلو
حاطط ( سليمي ) شاماتو على خدو
هو ترباية كفي ماهو صيد برية
*
وال غ غضبان يامحبوب صالحنا
وال ف فريد البهاء يامحبوب سامحنا
وأقعد على زادنا وبالله مالحنا
لتصير بيننا عشرة للحشر مطوية
*
وال ق جسمك قد جسمي قد
وال ك كف الجفا ماعدت طيق الصد
أوعدتني ياحلو تجي نهار الحد
كمة مضى حد بحد بحدين .. بمية !!
*
وال ن نوحو على ماصار بحالي
وال ه هادا جزا مين يعشق الغالي
وأنا بحبكم ضاع عقلي وضاع رسمالي
لاشي حصلي ولاشي طلع بإيدي
*
وال و وحياة راسك مابقالي حال
وال ل ألف لاتكلفني الي قيل وقال
إن كنت عاقل أتبع درجة العقًال
لاتعشق شب فتي ليصفي لك النية
*
وال ي ياربي يارحمن ياغافر الزلات
صلى وسلم على من جاء بالآيات
وأغفر ذنوبي لأن الكل مزحيات
من نظم فكري صنفت الألفية
*
ألف ألوف وألفتا
وال ب بالمعنى بينتا
وال ت تنيتا وتلتا
وال ث ثبتا عالغالي
أيام أنقلبت وليالي .....................
ثم وقع الأختيار على صبية سمراء طويلة نحيفة ( مجذبة ) فوقفت تحت إلحاح أم سامي الظريفة المرحة التي أنتهى دورها , لتغني أغنيتها الشامية المشهورة اللطيفةالتي تبعث على الضحك لمايرافقها من حركات مثيرة ناعمة ومضحكة ... ودق العود وبدأت الصبايا بالعد والوصف وراء الصبية السمراء فكل الصبايا كورس جاهز ذكي سريع الحفظ وعاونت الدربكة العود وقالت :
السمراء :
ياقضامة مغبرة وياقضامة ناعمة
شوف عيني شوف
شوف روحي شوف
شوف حركاتي الناعمة
*
جبلي الحمرة بالورقة
قلتلو شفايفي مابتلقى
قللي تعي يارشقة
وحمرني وانا نايمة
*
جبلي الشلحة بالورقة
قلتلو جسمي مابيلقى
وقللي تعا يارشقة
ولبسني وأنا نايمة
*
وفجأة أنقطع جو التصفيق والضحك والرقص والغناء بسبب دقات شديدة على الباب ,,,
وتلبس إلا الماشطة رغم كل فضول العيون على الباب ... ونزلت العروس بثوب سواريه
مخملي اسود اللون يكشف صدره الواسع عن بياض بدنها تزينه وردة سوداء مقصبة , وله شاحط ذيل طويل أنيق وأكمام طويلة مشقوقة شقا طولانيا تنفتح عن بياض زنديها وتثبت عند المعصم بأزرار ناعمة , وسارت نحو كوفجأة أنقطع جو التصفيق والضحك والرقص والغناء بسبب دقات شديدة على الباب لسهرة التلبيسة فترة صغيرة !!
وصعدت عدة نساء لمخدع العريس والعروس ونزل العريس بعد مدة ليرافق الشباب وكأن قوة قاهرة أقتلعته من جذوره .. ودخلت على العروس بعد خروج العريس الماشطة المختصة التي تعتني بثياب العروس وشعرها وزينتها وتكون مسؤولة عن جمالها طيلة ليلة العرس .. ولايجوز لأحد أن يرى العروس وهي تتفرع وتشلح رسيها على الأسكي كالملكة وتقول ست أختيارة :
- حوطتها بألله ...
ومن أجل خاطر العروس وقفت صبيتان سمراء وشقراء تتبادلان الأتهامات معا أمام العروس والمدعوات بمرافقة العود والدربكة عن طريق أغنية لطيفة تمدح فيها كل واحدة منهما نفسها ولونها وتذم الأخرى وتبدآن الأغنية معا بهذا المطلع :
تعي جنبي تعي جنبي
أنا عايزة أشوفك لحظة
وما بتحني شوي ؟؟
*
السمراء :
والسمرة قالت الله وأكبر
كل الزكاوة نزلت عالأسمر
روحي يابيضة ياشوربة العسكر
كل اللي يحبوكي مرجوعن لي
*
الشقرا :
والبيضة قالت وأنا رز بحليب
وكل مابرد كل مالو بيطيب
روحي ياسمرة ياعود القضيب
كل اللي يحبوكي مرجوعن لي ...
السمراء :
والسمرة قالت أنا اصلي عربية
كل ما تلفتت في إلي تحية
روحي يابيضة يا أجنبية
كل الي يحبوكي مرجوعن لي
الشقراء :
والبيضة قالت انا عيوني كبار
مكحلين من الله وشعراتي طوال
روحي ياسمرة ياشعرك شعر الجوار
تلات ساعات مابينبل بالمية
السمراء :
والسمرة قالت أنا لوني بلون البن
وياشراب الأمرا معجونة بالفن
روحي يابيضة يامكنسة الجن
على إيش حبوكي على لونك هالني
السمراء والشقراء معا :
تعي جنبي تعي جنبي
عايز شوفك لحظة ومابتحني شوي !!!
وبنزلة العروس كلنت جوقة المغاني قد وصلت , وغنت المغنية عدة أغاني دمشقية قديمة أذكر منها أغنية
ياسمك يابني :
ياسمك يابني خصمو مجنني
تلعب بالمية لعبك يعجبني
صيادك شاطر بياعك ماهر
يجبر بالخاطر ياجميل واصلني
ياسمك ياندا يالون الفضة
والعمر أتمضى وأنت مخاصمني
ياسمك يا احمر يالون العنبر
تمشي وتتمختر مشيو يجنني
ثم أنطلقت المغنية بموال وياليل وياعين فشق صوتها القوي العالي ليل دمشق الربيعي الساحر ثم غنت :
يابرق سلم عليهن وقلهن يرضو
ليلي ياليلي ياعيني
وأستعجلوا بالجواب آه عشاقكم مرضو
ليلي ياليلي ياعيني ..
*
وحياة عيونك أنا تايب لوجه الله
عن المعاصي .. وعن الحب لاوالله
هاتوا المصاحف لنحلف نحلف بكلام الله
والتم يحلف والقلب يقول لا والله
أنفتح الهوى خمنت غايبي جاني
ركضت فرحان وضحكان
أستلقيت الباب بحضاني
آه ... تاري الهوى غرار
حبيبي ماجاني ...
وعصف الطرب بالرؤوس وطلبت المدعوات المزيد من الطرب ولم تبخل عليهن المطربة بشيء وغنت
لإحدى العرائس المدعوات وكانت على مايبدو حاملا بأشهرها الأولى وتتوحم ...
وهذه المرة لم تتوحم على أكلة بل على أغنية ولبت المغنية طلبها وغنت لها :
على بياعينو العنب
حلوة بتتوحم عالعنب
جبلي وجبلي وياماما جبلي
حلق الألماس ريتو يلبقلي
خود ألماسك وجبلي العنب
*
وجبلي وجبلي وياماما جبلي
حلق اللولو وريتو يلبقلي
خدو بيعو وجبلي العنب ..
*
جبلي وجبلي وياماما جبلي
الطوق الدهب وريتو يلبقلي
خدو وبيعو وجبلي العنب ...
وصعدت العروس إلى مخدعها بعد أن عاد العريس من سهرة الرجال وبقيت عنده فترة ثم نزلت ترتدي ثوبا أزرق بلون السماء وكانت تحلي شعرها بحبال من اللولو وأقتربت الصبايا منها يهمسن في أذنها أسرارا تبعث على الإبتسام كما يبدو وأنا أرى العريس يرفع طرف الستارة خفية ولاتظهر إلا عينيه ليتفرج على العروس وهذه البهجة التي أضفاها نزولها إلى العرس .
ولاحت لي من بعيد صواني البوظة بالفستق تكاد تتطاير فوق الرؤوس وفرحت جدا ( عرس بلا بوظة وبلا ملبس يعني مو عرس ) .
وصعدت العروس إلى عريسها لتأكل معه ( كاسة الإيمع ) ثم عادت إلينا ترتدي ثوبا زهريا وردي اللون وذهب ماتبقى من عقلي يسحرها في كل مرة كانت تصعد لتغير ثوبها وتنزل إلينا كانت تزداد ألقا
وبهاء ... وسمعت أن ( داية ) بيت أهل العروس موجودة في العرس ولم أفهم سر حضور الداية مع أن أحدا لايعاني آلام الولادة !!!
وأطفأت الأنوار في مخدع العروسين وأرتفعت الزلاغيط من أرض الديار فجاة ... ثم عادت جوقة المغاني للعزف والغناء والرقص وكأن العرس لايريد أن ينتهي فالفجر لم يهل بعد :
دخلت باب الجنينة .. رد علي البلبل والياسمين اشتكى
والورد قال أعبر ياسجرة المنتهى
شوحملك قرنفل قالتلو قلبي داب
وعالحبايب مابقى يصبر ...
*
بتميل بتميل هالسمرة .. وعينها على ميل هالسمره
روحي السمره .. عيوني السمره .. حياتي السمره بضو القمرة
شعلت قنديل
*
أنا البنفسج أنا المصبوغ بالنيلي
على الشب يللي قاعد مقلبيلي
كسرتني ياحلو كسر الفناجيلي
وأنبليت بعشرتك الله يهنيني
وبتميل هالسمرة ...
وهمست جارتي العجوز بإذن جارتها قائلة :
- قرب الصبح يطلع ... إن شا الله ماتكون العروس نسيت شو علمتها تقول للعريس عتد وش الصبح !!
- دخلك شوعلمتيها ؟
علمتها تقول لعريسها كلام حلو كتير :
يسعد صباحك ياصحبة حلالية
ياقش عنبر ياخلقة إلهية
لو قدمولي بدالك من ألف لمية
أنا مابهوى بدالك ولا إلي بحدا نية ..
*
مرقت على ساقية شط غالب شط
لقيت سناسل دهب بإيدي بتنحط
وحياة مين علم الغزلان الأمز والنط
لعبوا بعقلي متل مابيلعب هالقلم بها الخط ...
وأذن الصبح ... وأنسحبت السيدات للفوقاني لتأدية صلاة الفجر ... وجهجهة الضو ... وبدأت العصافير تزقزق على شجر الليمون والنارنج وأغصان زهرة المانوليا التي تعطر الصباح برائحة الجنة ... وبدأت المدعوات بالحركة لتبديل الثياب ولبس الملايا السود والمناديل السوداء الكثيفة وضب ملابس السهرة في البقج
وإيقاظ الأطفال وحمل الرضع أستعدادا للعودة إلى منازلهن مع إشراقة أولى خيوط الشمس وفوجئت
المدعوات بأن أطفالهن جميعا وبلا استثناء قد بللوا فرشات النوم ... وخجلت كل واحدة من طفلها أمام أصحاب البيت .. ولم يكتشفن أن إحدى الصغيرات أكتشفت أنها ( عملتها ) دون أن تدري .. وحتى لاتضربها أمها أخذت ابري الماء وبللت ( حفاضًات ) الأطفال كلهم , وضاعت جريمتها وسط جرائم المجموع وليس أحد أفضل من أحد !!
شقشق الضو ... وخف الضغط وودعت الكراسي الخيزران الفراشات الملونة وفضح نور الصباح قشور البزر الأبيض والأسود والفستق والماء المسفوح على الأرض والملبس المكسر بين الكراسي
.. أنتهت الليلة ..
ووقفت أم العريس وأخواته وعماته وخالاته عند الدهليز لوداع الضيوف وقد حلفت أم العريس على اللازم اللازم من الأهل لتناول طعام الفطور وكانت صواني البغاجة والحلويات والحليب السحلب الساخن والكعك التازه قد وصلت كلها مع طلعة النسوان من الباب من عند أبوحرب أحسن بغجاتي بالشام .
وشددت أم العريس الدعوة وأعتذرت أمي بشدة بسبب أضطرارها للعودة إلى أخوتي الصغار , ودعي جميع من في العرس لحضور مباركة العروس بالخمسة بعيون الشيطان وبالستة !!!
ووعدتها أمي بالحضور بالخمسة أو بالستة ...
- مبارك ماعملتو إن شا الله جوازة الدهر وعقبال البكاري
- أصحي ماتجي عالمباركة
- بجي تقبريني والله بتشرف !!
- يو ... ميت أهلين وسهلين ...
- بها القامة وبها العين ...
- سلميلي عالأفندي وبوسيلي الصغار
- يي الله يسلمك
- خاطركن
- مع السلامة .
ودامت أنوار الأفراح ساطعة في دياركم ...
وعقبال العزابية ....
انتظرونـــــا بالتلبيسة ( حفلة الرجال )
وهمست جارتي العجوز بإذن جارتها قائلة :
- قرب الصبح يطلع ... إن شا الله ماتكون العروس نسيت شو علمتها تقول للعريس عتد وش الصبح !!
- دخلك شوعلمتيها ؟
علمتها تقول لعريسها كلام حلو كتير :
يسعد صباحك ياصحبة حلالية
ياقش عنبر ياخلقة إلهية
لو قدمولي بدالك من ألف لمية
أنا مابهوى بدالك ولا إلي بحدا نية ..
مرقت على ساقية شط غالب شط
لقيت سناسل دهب بإيدي بتنحط
وحياة مين علم الغزلان الأمز والنط
لعبوا بعقلي متل مابيلعب هالقلم بها الخط ...
وأذن الصبح ... وأنسحبت السيدات للفوقاني لتأدية صلاة الفجر ... وجهجهة الضو ... وبدأت العصافير تزقزق على شجر الليمون والنارنج وأغصان زهرة المانوليا التي تعطر الصباح برائحة الجنة
أتمنى أن عدت بذكريات الماضي